أتيت شبعا لأجدد بها عهدا، وأنظر عينا بها تسمى عين الجوز، ما كنت رأيتها حين سلمنا بها في سنة أحد وعشرين، فلاقاني أهلها وأضافوني، ورأيت عندهم من العز مثل ما تقدم، وكنا لما طردنا من قريتنا بعد قتل رجالنا أتيناهم، فدخلت قريتهم وسني اثنتا عشرة سنة، وأنا حامل جرا كبيرا على كتفي، فقضى أن دخلتها بخيل ورجال وأحمال وبغال، فسبحان من يعز ويذل، له الأمر وبيده النفع والضر.
ثم أخذت في السفر، ففارقت شبعا يوم الأحد تاسع الشهر، فوصلت إلى الرملة صبح يوم الخميس ثالث عشره، ثم عرجت إلى القدس للزيارة وصلة بعض الأقارب بها، ثم رحلت منها يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر فزرت سيدنا الخليل وآله صلوات الله عليهم أجمعين، ورأيت كسوة قبورهم، التي عملها السلطان الملك الأشرف إينال العلائي، وكان أرسلها مع صهره الأمير بردبك الدويدار، فإذا هي عظيمة، وإذا الأمير بردبك قد دفع إلى خدام سيدنا الخليل مالا ليشيدوا مقامه به، فبيضوه من داخل، ومن خارج حتى المئذنة؛ فكان له منظر بديع غريب، وتيسر لهم في ذلك ما لم يحصل لمن قبلهم، فإن غيره أراد تشييد داخل القبة، فمات بعض صناعه، ولم يتفق له ذلك، ثم توجهت في أثناء يوم الأربعاء، فوصلت إلى غزة ظهر يوم الخميس، العشرين من الشهر، ثم وصلت إلى الخانكة ليلة السبت تاسع عشري الشهر، فنمت عند أصهاري، فعتبوا علي زواجي في دمشق، فاعتذرت بأنه لم يكن لي صبر في هذه المدة الطويلة عن النكاح، وبأني طلقتها عند سفري؛ رعاية لخاطرهم.