وشهوة. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ محبة انتماء وعشرة. وهم جماعة الرجل وقبيلته. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ محبة شهوة وقنية، ومعنى: ﴿اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها، فالاقتراف بمعنى الاكتساب. ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ أي: محبة تعلق واستبقاء. ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ محبة مأوى ومباهاة.
قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ نصب (أحب) لأنها خبر (كان) وإن تأخر، و(آباؤكم) اسمها. والمعنى: إن كان محبة هذه الأشياء المحبوبة حبًا فطريًا طبيعيًا- مقدمة عندكم على محبة الله ورسوله ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ عبارة تهديد ووعيد، أي: انتظروا ما يحل بكم من عقاب، إذا آثرتموها على محبوبات الله عز وجل. مثال ذلك: أن يُؤمر العبد بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، فيؤثر البقاء في الأهل والعشيرة على طاعة الله تعالى بالهجرة إلى دار الإسلام؛ ولهذا توعد الله من وقع منه ذلك، فقال سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧، ٩٩]. ولما هاجر صهيب الرومي رضي الله عنه من مكة إلى المدينة، وكان قد قدم مكة مولى، ثم عتق، واتجر وصار ذا مال، فلما أراد الهجرة لحقته قريش حتى أدركوه في بعض الطريق، فقالوا له: جئتنا فقيرًا، والآن تأخذ المال وتذهب! فقال لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي؟ فقال لهم: احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواق، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ قبل أن يتحول منها -أي قباء-، فلما رآه ﷺ قال: "يا أبا يحيى، ربح البيع" ثلاثًا (١)؛ لأنه استعاض عن الدنيا بالآخرة.
وكثير من الناس يقدم الدرهم والدينار، وإذا تعارض مع شيء من محاب الله عز وجل-آثر الدنيا على الآخرة؛ فإذا أراد حج الفريضة مثلًا، استعظم النفقة، وترك الحج.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٥٧٠٦).