٣ - شمول الرسالات لجميع الأمم، وإقامة الحجة الرسالية على كل الخلق؛ لقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولفظ (كل) من ألفاظ العموم، فلم يبقَ أمة على وجه الأرض، إلا وبعث الله تعالى فيها رسولًا، فقد أقام الله الحجة الرسالية على جميع الآدميين؛ ولأجل ذا قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فليس شيء يمكن أن يحتج به البشر على الله، إلا أن يقول قائلهم: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، فقطع الله الحجة على الخلائق ببعثة الأنبياء والمرسلين.
نقل الشيخ رحمه الله-قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: القضاء نوعان:
١ - قضاء كوني.
٢ - قضاء شرعي.
فقول الله عز وجل: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] يعني: قدرهن، فهذا قضاء كوني، وأما قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهذا قضاء شرعي، فلو كان قضاء كونيًا لما تخلّف؛ ولأصبح جميع الناس موحدين، بررة، لكن الواقع يدل على أن أكثر الناس مشركون عققة. فمعنى: (قضى) هنا، أي: أمر ووصّى، فهو قضاء شرعي، لا قضاء كوني.
(والرب): هو المالك الخالق المدبر، أي: الذي ربّى عباده بنعمه سبحانه.
قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ يعني: أن تعبدوه، ولا تعبدوا أحدًا غيره، فهي تحمل معنى النفي والإثبات المضمَّن في (لا إله إلا الله).
قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وهذا يدل على عظم حق الوالدين؛ لأن الله تعالى قرن حقهما بحقه، ولأجل ذا قال نبينا ﷺ: "لا يجزي ولد والده، إلا أنّ يجده مملوكًا، فيشتريه، فيعتقه" (١)، بهذا يمكن أن يبلغ بره، بأن يجده رقيقًا يُباع ويُشترى، فيعتقه بحر ماله، فيكون سببًا في حريته، كما كان أبوه سببًا في ولادته.
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب بر الوالدين برقم (٣٦٥٩) وأبو داود في أبواب النوم، باب في بر الوالدين برقم (٥١٣٧) وصححه الألباني.