سألنا د. جمال الدين محمود عضو مجمع البحوث الإسلامية عن بنود الوثيقة فقال: حق كل إنسان في أن يعتقد ما يشاء أو يرفض ما يشاء من الأديان مبدأ أتي به الإسلام أصلا. ففي الإسلام الا إكراه في الدين وقد قال تعالي: 'أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين' صدق الله العظيم. لذلك فإن حق الفرد في الاعتقاد لا يمكن المساس به من الجماعة أو من أي سلطة مادام لم يكن متصادما تماما مع الأديان السماوية.. لكن ما تحويه هذه الوثيقة من بنود أخري خاصة ما يتعلق بحق أي شخص أن يترك دينا ويعتنق آخر دون المساس به فهذا محرم ومحظور شرعا ويوجد رأي للفقهاء المحدثين مثل الشيخ شلتوت يري أن الخروج عن الإسلام لا يستدعي إقامة الحد إلا إذا اقترن هذا الخروج بالإعلان عنه وتشجيعه والدعوة له أو إلحاق ضرر بالجماعة المسلمة بأي طريق كما أن العقوبة البالغة وهي القتل بالنسبة للمرتد لم ترد في القرآن ولا في حديث متواتر.. بل وردت في أحاديث الآحاد وإن كان جمهور الفقهاء يجعل الارتداد حدا من الحدود.. فبمجرد تغيير العقيدة من الإسلام إلي أي دين آخر ليس هو سبب الحد وإنما الخروج عن الدولة وإلحاق الضرر بالجماعة هو سبب الحد وبالنسبة للبند 12 فإن الإسلام يحمي المخالفين إذا عاشوا في مجتمع مسلم فتكون لأنفسهم وأموالهم ولأعراضهم حرمة وكذلك للمستأمنين من أي دين ماداموا دخلوا لغرض مشروع وبإذن الدولة، ولكن إذا كان ما تقصده الوثيقة في البند 12 أن لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقده هو حماية للكيان الصهيوني وهذا لا تقره الشريعة الإسلامية.. فالفلسطينيون وكذلك العراقيون يعيشون علي أرض محتلة وقد أمرنا الإسلام بقتال من يتولي أمورنا من الكفار قال تعالي: 'قاتلوا الذين يلونكم من الكفار' فالواضح أن الوثيقة تحاول أن تمرر أشياء مخالفة للدين وتتلاعب بالألفاظ.
أما من ناحية حق رجال الدين المخالفين لنا في العقيدة أن يعرضوا علي الملأ وعلي المستوي العام وأمام الجماهير ما يرونه من عقائد ففي هذا خطورة لابد من تجنبها وهو أن يكون الخطاب الديني المتعلق بالعقائد محل مناقشة بين جماهير الناس في بلد إسلامي وكذلك فإن الدعوة إلي دين مخالف كما هو الشأن في بعض الحركات التبشيرية قد يصطبغ بأغراض سياسية ورغبة في شق وحدة المجتمع المسلم وتظهر خطورة ذلك في بلاد إسلامية عديدة قد يكون فيها الجهل أو الفقر والحاجة سببا في اضطراب العقيدة الدينية لدي البعض كما أن تاريخ التبشير المسيحي بالذات في المنطقة العربية كما يقول د. جمال الدين محمود ارتبط في بعض جوانبه بأهداف سياسية.. وليت الغربيين يتركون الحرية للمسلمين في أداء وممارسة شعائرهم كما يحدث في البلاد الإسلامية، ففي بعض البلاد توضع القيود علي إنشاء المساجد وحرية العبادة بالنسبة للمسلمين.
فرض الحماية
وعلق الدكتور رفيق حبيب الباحث والخبير في شئون الحركات الدينية علي هذه الوثيقة قائلا: هي محاولة لحماية حرية النشاط والعمل لمؤسسات غربية في الدول العربية والإسلامية وغيرها لذلك إذا فرقنا تماما بين حرية الاعتقاد كقيمة علي الجماعة المصرية أن تحميها وعلي الأمة العربية أن تحميها لأبنائها لتجنيبهم ممارسات المؤسسات الغربية في غيرها من الدول.. هنا سنستطيع تحديد موقف من مثل هذه الوثائق حيث نؤكد أن حرية الاعتقاد لأبناء الأمة هي قيمة ندافع عنها أما حرية عمل المؤسسات الغربية في بلادنا فهذا شأن سياسي ولا يندرج تحت مفهوم حرية الاعتقاد.
ويضيف د. رفيق حبيب.. ما تهدف إليه هذه الوثائق هو ترويج المسيحية الغربية.. بل هي أيضا تحاول نشر القيم وتمرير السياسات وحماية المصالح الغربية، فالإدارة الأمريكية الحالية تمثل اليمين المحافظ الديني الذي يهدف إلي تغريب العالم ونشر المسيحية الغربية لأن لهذا التيار اعتقادا بأنه صاحب الحق في قيادة المسيحية العالمية كما يعتقد أن أمريكا صاحبة الحق في قيادة العالم وبالتالي فقد تسربت النزعة الاستعمارية في جدول الأعمال السياسي والديني.
ويضيف د. رفيق حبيب مؤكدا أن العلاقة بين الأديان المختلفة يجب أن تصاغ داخل إطار الوطن الواحد وأي صياغة دولية لن تكون مناسبة لاختلاف تقاليد المجتمعات فكيفية حماية حرية الاعتقاد تختلف في ثقافتنا عن ثقافة الغرب.. عندنا مثلا يعتبر الهجوم علي الأديان من موقع الإلحاد هو خرق لقدسية الاعتقاد أما في الثقافات الغربية العلمانية فهذا أمر مسموح به، كذلك فإن قضية إدارة المشكلات الخاصة بحرية الاعتقاد وتغيير الدين لها أوضاع في ثقافتنا تختلف عن الغرب نظرا لارتباط المعتقد الديني للفرد بانتمائه الأسري، أيضا فإن قضية التبشير أو الدعوة لدين معين تختلف في الثقافة الغربية عن ثقافتنا فبالنسبة لنا ليس من المقبول أن تكون أي رسالة دينية تحمل نقدا أو تجريحا في العقائد الأخري في حين أن الغرب يسمح بهذا في ثقافته ".
وإلى هنا ينتهى المقال الذى نقلته كاملا ، ولا يسعنى إلا أن أردد عبارة واحدة:
حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل.
* نقلاً عن جريدة الشعب المصرية
===============
#المسلمون في الغرب و"أصل الحكاية"
[بقلم: *حسن الحسن]
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يتحمل سليم عبد الحميد عبء الغربة وما آل إليه حال آل عثمان فانتحر في نيويورك، وأخذت شقيقته الأميرة عائشة ترسم اللوحات الزيتية كي يبيعها ابنها في شوارع باريس فيعتاشا من ريعها، وعلى نفس النسق تفرق باقي أبناء سلطان المسلمين عبد الحميد الثاني ليذوقوا حياة البؤس في ديار الاغتراب، فيما وافت المنية عبد المجيد آخر خلفاء بني عثمان في منفاه، ليحنط جسدَه طبيبٌ يهودي حتى لا يتعفن جثمانه بانتظار أن يُؤذنَ من قبل آل سعود لجسده المسجى في مسجد باريس لدفنه في المدينة المنورة، الأمر الذي تمّ بعد لأْيٍ.
لم تقتصر تداعيات إلغاء الخلافة العثمانية على آل عثمان وحدهم، إذ فجرت تلك الفاجعة مواجع الأمة الإسلامية التي بدأت رحلة التيه والضياع، فتقطعت أوصالها شذر مذر وتولى أمرَها سقطُ المتاع. تلك الأمة التي كانت تعتز بحضارتها وتتباهى بها، حيث كانت تحيا في عصر النور بينما تغرق أوروبا في عصور الظلمة. وبعد أن كان المسلمون يدخلون تلك الديار المظلمة فاتحين أو سفراء إلى ملوكها، وكان غير المسلمين من يهود ومستضعفين يلوذون بدار الخلافة فراراً من القهر والظلم الذي لحق بهم، يتفيأون بعدلها وينعمون بالطمأنينة والاستقرار فيها، بعد كل هذا، بات المسلم يجتاز البر والبحر للوصول إلى ديار ينفر من سياساتها وقيمها وثقافتها السائدة، فارّاً من وطن تلاشى في جعبة فئة شاذة من المارقين واللصوص وقطاع الطرق على غفلة من الزمن.
كانت فتاوى الأئمة تحظر إقامة المسلمين في ديار الكفر، ولم يكن ذلك يروق للمسلمين أصلاً على كل حال، بل كان ينظر لمن يفعل ذلك بعين الشك والريبة، حتى كان ما كان من انحدارٍ متسارع لأوضاع الأمة بشكل متضخم ككرة الثلج المتدحرجة، فأرسل السلاطين حينئذ مبتعثين إلى اوروبا كي ينهلوا من معارفها، ظنّاً منهم أنّها ستلأم صدع الخلافة، مستفيدين من نهضتها العمرانية والعسكرية والعلمية.