ومن جانب آخر نشرت صحيفة الديلي تلجراف تقريراً موسعاً تناولت فيه جانباً مختلفاً من أزمة تصريحات بابا الفاتيكان، وقالت الصحيفة: إن البعض حمل "الطبيعة الشمولية" للنظام البابوي في الفاتيكان مسؤولية تصريحات البابا التي أثارت غضباً في العالم الإسلامي، وتابعت قائلة: إنه بخلاف سلفه يوحنا بولص الثاني الذي كان يعمل عن كثب مع مجموعة مختارة من مستشاريه عند كتابة خطاباته؛ يصر البابا بنديكتوس السادس عشر على كتابة خطاباته بنفسه.
وأضافت: أنه رغم أن المسودات النهائية لكلمات البابا توزع على مساعديه؛ فإن كبار مستشاري الفاتيكان يعتقدون أنه لا يوجد أحد يملك الشجاعة الكافية ليقول للبابا: إنه ربما ارتكب خطأ.
وفي صفحة الرأي في الصحيفة نفسها كتبت كارين آرمسترونغ مؤلفة كتاب "نبذة عن تاريخ الإسلام" مقالاً تقول فيه: "إن ثمة عداء قوياً للإسلام في الثقافة المسيحية الغربية، ويتعين التخلص منه"، واعتبرت الكاتبة أن "هذه العقلية التابعة للقرون الوسطى لا تزال حية ترزق....معاداة الإسلام لدينا تعود إلى زمن الحروب الصليبية"، كما رأت آرمسترونغ أن كلام البابا سيجعل المسلمين أكثر قناعة بأن الغرب معاد للإسلام، ومصمم على المضي قدماً في حرب صليبية جديدة.
بينما خلصت صحيفة الصنداي تايمز في عددها الأخير إلى أن: "أقوال البابا أوجدت انقسامات كبيرة وسط الكنيسة أيضاً بين الكاثوليك التقليديين والتقدميين المعتدلين، وحتى أولئك الذين كانوا راضين عن البابا، ويقولون: إنه لن يدخل في مواجهة مع الجناح اللبرالي لكنيسته؛ غيروا نظرتهم الآن مستغربين للطريقة التي كشر فيها راتسنغر عن أسنانه العجوزة".
http://www.alasr.ws:المصدر
================
#المسلمون بين بابا الفاتيكان وبابا البيت الأبيض
جمال عرفة
4/9/1427هـ
هل كانت مصادفة أن يلقي بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر محاضرته المسيئة في ذكرى مرور خمس سنوات على تفجيرات 11 سبتمبر، والتي اتهم فيها الإسلام علناً بأنه دين العنف والتطرف، وانتشر بالسيف، ولا يصلح للحوار(!)، ثم يعود ليقول: أن المسلمين لم يفهموا كلامه رغم أنه كلام واضح لا يحتاج إلى تأويل؟
وهل كانت مصادفة أن يأتي حديث البابا عن صعوبة الحوار مع المسلمين لأنهم - لأسباب عقيدية شوهها البابا - يرفضون "الكلمة" أو الحوار أصلاً، ويتحدثون بلغة السيف، في نفس اليوم الذي كان يعقد فيه - في جمهورية كازاخستان - المؤتمر الدولي الثاني لزعماء الأديان العالمية والتقليدية "من أجل تعميق الحوار والتفاهم والتعاون بين الأديان جميعاً"!.
هل أراد البابا أن يستغل مناسبة ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر للهجوم على الإسلام، وربطه بالتالي بالإرهاب دعماً للفكرة السائدة في الإعلام الغربي من الربط بين الإسلام والإرهاب , وتواصلاً مع مسلسل الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية؟ خصوصاً أن محور حديثه كان عن تشدد الإسلام وارتباطه بالعنف والقوة؟ أم أراد أن يبرهن على تفوق المسيحية على الإسلام من الناحية العقائدية، فيما قاله عن اعتزاز المسيحية بالكلمة (الحوار)، واتباع الإسلام طريقة السيف؟.
لو قيل أن البابا قال كلمته ارتجالياً لأصبحت فكرة أنه أخطأ، وأنه قال ما قال بحماسة دينية دون قصد تشويه الإسلام؛ واردة، ولكن لأن كلمته كانت مكتوبة سلفاً، ومعدة سابقاً، ويقرأها من خطاب محدد، فضلاً عما هو معروف عنه في الفاتيكان من عدم الخطأ خصوصاً في المسائل الدينية - باعتباره رأس الكنيسة - هنا يصبح الهدف الأول المتعلق بتوفير البابا الغطاء الديني لحرب أمريكا على الإسلام تحت زعم "الإرهاب" هو الاحتمال الأرجح.
فالبابا بنديكت معروف عنه سابقاً أن مسئول مجمع الإيمان الذي يعتبر بمثابة المجمع الفقهي للكنيسة، ومعروف عنه تشدده وتطرفه الديني، واعتباره أن الإسلام هو التحدي الأخطر للكنيسة الغربية الكاثوليكية مستقبلاً خصوصاً في ظل الواقع الذي يقول: أن الإسلام لا يجد مشاكل في انتشاره في الغرب، في حين تعاني الكنيسة من انفضاض أتباعها عنها، ولا تزال تسعى لترميم جسور المسيحية في الغرب لوقف العزوف عنها.
وبعد إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي جورج بوش انتعش دور متشددي الكنائس الغربية الساعين لأن يلعب "الكتاب المقدس" دوراً محورياً في الحياة العامة والسياسة الخارجية بصورة كبيرة، وظهر هذا بوضوح أكبر في كل من أمريكا وبريطانيا وألمانيا - بلد بابا روما -، بل أن أحد أسباب اختيار بابا روما الحالي من دولة أوروبية وكمسئول عن المجمع الفقهي الديني المسيحي استهدف بشكل أساسي ترميم أسس المسيحية المتدهورة في الغرب، وإعادة تأثيرها على الحياة السياسية والعامة.
بابا الحرب على الإسلام:
والحقيقة أن الخطورة ليست فيما قاله بابا روما عن الإسلام في تصريحاته الأخيرة فقط، ولكن في أن ما قاله لم يكن سوى الجانب المكشوف من المخططات التي تعد في الغرب - دينياً وسياسياً وعسكرياً - ضد الإسلام، أو قمة جبل الجليد الذي سعوا لاخفاءها باستمرار، ولكنها ظهرت على لسان البابا.
فمنذ 11 سبتمبر وهناك حرب أمريكية وغربية مكشوفة على الإسلام وصلت للضغط على الدول العربية والإسلامية لطلب تغيير مناهج تدريس الدين، وتغيير الخطاب الديني الإسلامي، وحذف كل ما ينتقد اليهود من كتب التدريس، ووقف ما سمي "التحريض" على الغرب وأمريكا في مناهج التعليم، فضلاً عن فرض خطة لنشر الديمقراطية الغربية أملاً في أن يصل للحكم قوى علمانية عربية تدين بالولاء للغرب، وتنفذ مهمة هدم الإسلام من الداخل.
وإذا كانت إدارة الرئيس بوش المتطرفة دينياً، والتي يقودها اليمين المسيحي؛ قد كشفت بوضوح عن أهدافها، وهاجمت الإسلام عشرات المرات، ووضعت الخطط الفعلية لضرب هذا الدين في معاقله، والسيطرة على مقدرات الدول الإسلامية، وظهرت مخططاتها في عشرات المصطلحات التي تتهم الإسلام بالفاشية أو التطرف؛ فقد جاءت تصريحات البابا لتكشف عن خطة مزدوجة بين القيادة الروحية المسيحية للغرب والقيادة السياسية لتبرير الحملة على الدول الإسلامية.
والأكثر خطورة أنه كان يتم دوماً تبرير الهجوم على الإسلام من قبل سياسيين غربيين على أنه جهل بالإسلام والعقيدة الإسلامية، أو أنه هجوم على المتطرفين لا المسلمين أنفسهم والإسلام، بدليل قول الرئيس بوش مؤخراً أنه يحارب "الفاشيين الإسلاميين"، ولكن الهجوم على الإسلام هذه المرة جاء من رأس الكنيسة الكاثوليكية، وجاء منصباً على العقيدة وأسس الدين الإسلامي بشكل يقدم المبرر أو الغطاء الديني الكافي لحملات الغرب العسكرية والسياسية على العالم العربي والإسلامي، ويؤجج حرب أو صراع الحضارات (كما تنبأ صموئيل هنتنغتون)، ويعمق الهوة بين العالمين الإسلامي والغربي.
فإذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش قد تحدث من قبل عن "الحملات الصليبية"، ثم تحدث عن "الإرهاب الإسلامي"، ثم "الإسلام الفاشي"؛ فقد تحدث البابا عن الإسلام بمنطق ديني أبشع يفرغه من روحه الإيمانية، ويجعله قهراً وقسراً ودين عنف وسيف، بل أن البابا كشف نفسه وكشف قناعاته المعادية للإسلام - وهو يعتذر ضمناً ثلاث مرات - حينما دعا المسلمين (خلال لقائه الاستثنائي مع مبعوثي الدول الإسلامية المعتمدين لدى الفاتيكان) إلى "نبذ العنف" ودعاهم للحوار، ما يؤكد قناعته أن الإسلام دين عنف ولا يصلح للحوار معه!!.