وفي المقابل أقام الفاتيكان في عهده علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وهو صاحب الاعتراف التاريخي بعدم مسؤولية اليهود عن صلب المسيح.
للبابا الراحل حراك سياسي واضح كان يعتمد باعتقادي على سياسة التوازنات، فقد التقى الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، ثم زار كوبا والأردن، وإسرائيل وأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، وعارض الحرب على العراق، وطالب بأن تكون الخيار الأخير، واعتبر الحرب "هزيمة للبشرية"، كما اعتذر عن محاكم التفتيش حيث كان الناس يعذبون لدفعهم إلى اعتناق المذهب الكاثوليكي.
هي إذا طبيعة السلطوية الدينية التي تفرض عليه سياسات محددة حتى على صعيد القضايا الاجتماعية مثل: معارضته للشذوذ، وزواج المثليين، والإجهاض.
وقد أثار الكتاب الأخير للبابا يوحنا بولس الثاني جدلاً حاداً في أوساط اليهود والشواذ، وذلك بمقارنته بين الإجهاض والهولوكوست، وبوصفه زواج الشاذين بأنه جزء من أيديولوجية جديدة للشر.
ووصف البابا في كتابه الخامس الذي صدر أمس بعنوان "الذاكرة والهوية" الإجهاض بأنه "إبادة بشكل قانوني"، يمكن مقارنتها بمحاولات القضاء على اليهود وجماعات أخرى في القرن العشرين.
في هذا السياق لم يكن البابا بعيداً عن سياسة التنصير التي تجري على قدم وساق في الدول الإسلامية والعربية، وليس سراً أن بابا الفاتيكان ألقى خطاباً قبل أشهر بسبعين لغة منها العربية، والتقط هذا الخطاب في أنحاء العالم، ونقل بعض البرامج التنصيرية.
ومن المهم التقاط بعد أفكار هذا "الحبر" لمعرفة توجهاته نحو الإسلام، حيث يرى بابا الفاتيكان بعد سقوط الشيوعية أن من مصلحة الكنيسة ومصلحة رجال السياسة توجيه عموم الشعب المسيحي نحو خصم جديد يخيفه به وتجنده ضده، والإسلام هو الذي يمكن أن يقوم بهذا الدور في المقام الأول، وكان البابا يغادر مقره بمعدل أربع رحلات دولية لكسب الصراع مع الأيديولوجيات العالمية وعلى رأسها الإسلام.
ولعل أكبر إنجاز للبابا على صعيد التنصير ونشر المسيحية هو تغلغل هذه الديانة إلى المجتمعات العربية خاصة في الخليج العربي.
فثمة كنائس عديدة في دول الخليج نجح البابا عبر جهده الشخصي ببنائها بعد أن كانت أمراً محظوراً إلى وقت قريب، فهنالك عشرات الكنائس في الإمارات على سبيل المثال، وثمة 14 كنيسة لحوالى مائتي ألف مسيحي معظمهم من الأجانب في الكويت أيضاً.
ومن الحقائق غير المعروفة أن البابا انفق بلايين الدولارات على إرسال المنصرين، وإجراء البحوث، وعقد المؤتمرات، والتخطيط لتنصير أبناء العالم الثالث، وتنظيم وتنفيذ ومتابعة النشاط التنصيري في كل أنحاء العالم، وتقويم نتائجه أولاً بأول.
إن تصنيف علاقة البابا الكاثوليكي باليهود وبالمسلمين كانت تحددها نصوص الوثائق الكنسية الصادرة في عهده، العنصر الرئيسي الأول هو غياب ذكر أي كلمة عن التبشير والتنصير في أي وثيقة ذات علاقة باليهود، مقابل التأكيد أن التنصير جزء لا يتجزأ من سائر النشاطات الكنسية بين أصحاب الديانات الأخرى ولا سيما الإسلام، ويتضح ذلك مثلاً في وثيقة البعثات التبشيرية التي أصدرها البابا يوحنا بولس الثاني في 7/12/199م، أكد فيها أن "عنصر التبشير جزء لا ينفصل عن طبيعة الحياة المسيحية، وهو الذي يحدّد وجهة الحركة الكنسية"، والعنصر الرئيسي الآخر الذي يميز ما بين العلاقتين أنه رغم المواقف اليهودية المتطرفة المعروفة تجاه البابا يوحنا بولس الثاني إلى درجة إعلان اللعنة الأبدية عليه عشية زيارته لفلسطين المحتلة، لا تذكر الوثائق الكنسية كلمة واحدة عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه من التطرّف اليهودي تجاه المسيحيين وتجاه سواهم على السواء، أما عند الحديث عن الحوار مع المسلمين فيختلف الأمر تماماً.
يمكن القول إن الفاتيكان هو الوجه الديني للعولمة، والتي تهدف في النهاية إلى فرض النموذج الحضاري الغربي على بقية دول العالم، ويتكامل دور الفاتيكان هذا مع دوره القديم في الحروب الصليبية، ثم التنصير الذي تعانق مع الاستعمار الغربي للعالم العربي والإسلامي ولإفريقية ولآسيا، ثم الدور الاستشراقي الذي لا يزال مستمراً، ولكن الفاتيكان يغير أساليبه لتتواءم مع طبيعة العالم المعاصر، ويعتمد مبدأً خطيراً اسمه "الحوار مع الأديان غير النصرانية"، ويأتي على رأسها الإسلام، وليس الحوار سوى جزء من ممارسة التنصير والدعوة إلى النصرانية، لذا تطلق بعض المراجع على الكنيسة عبارة "الشريك الكامل للإمبريالية الغربية".
ويمكن القول أيضاً في هذا السياق إن علاقة البابا وبوش عكرتها حرب العراق رغم قناعات دينية مشتركة بين الاثنين.
وقد التقى البابا وبوش ثلاث مرات منذ تولي الرئيس الأمريكي منصبه عام 2001م، والرجلان حقيقة يتقاسمان المفهوم ذاته لـ"ثقافة الحياة"، فبوش جمهوري محافظ متدين نشأ نشأة بروتستانتينية، ولا يخفي أهمية الدين في حياته الشخصية، ومناهضته الإجهاض بشدة، وكذلك الزواج بين مثليي الجنس، وكذلك الحال بالنسبة للبابا الذي يعد أول بابا يجتاز عتبة كنيس يهودي، ويدخل مسجداً، وهو بحق البابا الذي غير معالم البابوية وطبعها بشخصيته القوية، إذ اتسم عهده بالتسييس، وبالمواقف المحافظة على مستوى النظريات الأخلاقية ما أبعد عنه قسماً من المؤمنين الذين وجدوا هوة بين تعاليمه والحياة المعاصرة وتحدياتها.
وبعد 24 عاماً دخل البابا مجدداً في صلب السياسة العالمية عبر موقفه الرافض تماماً للتدخل الأحادي في العراق، وقد أثارت مواقف البابا المناهضة لغزو العراق سخط السلطات الأمريكية، لكن هذه المواقف تبدو منسجمة مع روحية حبرية يوحنا بولس الثاني التي وضعت السلام والحوار بين الشعوب والديانات في صلب نهجها.
التساؤل المطروح الآن إذاً هو: شكل البابوية الجديد بعد رحيل يوحنا بولس الثاني، ومدى خضوع مؤسسة الفاتيكان للمتغيرات في هذا العالم؟
بتصرف يسير : http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=6519
=============
#وفاة البابا ... صانع مجد الكاثوليكية في العصر الحديث
د.بدران بن الحسن
لقد توفي البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان بعد رحلة طويلة مع المرض. أما الهالة الإعلامية التي أُقيمت على وفاته فهي جد مثيرة، وغير مسبوقة في تاريخ الرموز الدينية المسيحية. وفي الحقيقة لقد هالني هذا الاهتمام المنقطع النظير بوفاة هذا الرجل، وخاصة بكاء المسلمين عليه، وبالأخص معظم القنوات العربية التي اهتمت بموته بطريقة لا تصدق.
فمن هو البابا يوحنا بولس الثاني؟ وما هي أهم إنجازاته؟ ولماذا هذا الاهتمام العالمي به؟
من هو يوحنا بولس الثاني؟