وهكذا تقاطرت البعثات في رحلات هادفة من القاهرة وبيروت واستنبول إلى لندن وباريس وبرلين. ذهب هؤلاء إلى هناك بوجه ورجعوا منه بوجه آخر، مستبدلين الطربوش العثماني بالقبعة الأوروبية، مستنسخين نفور الأوروبيين من الدين، ملقين كل أوزار تجربة أوروبا وصراعاتها مع الكنيسة على الإسلام من غير تمحيص ولا تمييز بين كونه سبب ارتقاء الأمة وبين النصرانية المحرفة التي كانت سبب تخلف أوروبا.
عاد هؤلاء المبتعثون إلى ديارهم متزاهين كالطواويس، محتقِرين أُمَّتَهم، عاملين بجد على سلخها عن دينها، منشئين المجالس المشبوهة التي تستصغر الأمة وتحطّ من قدر الإسلام فيها، بل وتعتبره أسّ البلاء وسبب التخلف ورأس كل داء، بعد أن نهل هؤلاء سمّاً زعافاً سرعان ما نفثوه في جسد أمتهم، وأخذوا ينهشون في ثقافتها ويشوهون حضارتها بداعي الإصلاح والنهضة، فيما أخذ الاستعمار ينهش في جسد الأمة ويحتل بقاعها الواحدة تلو الأخرى.
إلا أن الأيام تدول كما الليل والنهار، حاملة في طياتها مفارقات كتبتها يد القدر بحكمة بالغة. فبعد أن كان المسلمون الوافدون إلى الغرب رأس حربته للطعن بالأمة وتمزيق الخلافة إرباً إرباً، أضحى هؤلاء عامل قلق دؤوب يؤرق الغرب بشدة، قاضّاً مضاجعه ومؤججاً هواجسه، تلك التي لم تتبدد يوما إزاء المسلمين. وفي هذا السياق بدأت سياسات الحكومات الغربية تتسم بالحيرة والانفعال في كيفية التعاطي مع المسلمين، حيث إنهم يعدّونَهم مصدر تهديد وجسماً غريباً ينمو باضطراد ويتحرك بسرعة ضد سياساتهم وتوجهاتهم الفكرية، ما دفع تلك الحكومات للتعاطي مع ظاهرة الإسلام السياسي في الغرب بشكل مضطرب في كثير من الأحيان، وعلى خلاف مع ما يتباهون به من قيم وقوانين في أحيان أخرى، مبررين ذلك بدرء أخطار مزعومة تارة، وخشية من عدم إمكان سيطرتهم على الجاليات الإسلامية مستقبلاً تارة أخرى!
وهكذا بدأت سياسات النظم الغربية تتعاطى مع المسلم كأنه قنبلة موقوتة تنتظر الزمن المناسب للانفجار، وبات على المسلم أن يثبت ولاءه للدول القابع فيها بشتى السبل حتى يخرج من دائرة المشتبة بهم! فيما أخذت وسائل الإعلام وتصريحات الساسة ورجال الدين تجنح إلى عزل المسلمين ودفعهم إلى التقوقع أو الهجرة إن أمكن، بخاصة بعد الحملات المنهجية على المسلمين من أعلى مراكز سدة القرار في الغرب. ويتضح هذا بإعلان بوش صراحة وبشكلٍ مكرر عن حروبه بأنها صليبية وعن استهدافه "الفاشية الإسلامية"، مروراً بتصريحات بلير عن حرب القيم التي لا بد من سحق المناوئين له فيها، وصولاً إلى استحضار بابا روما حادثة رمزية لإمبراطور بيزنطا الذي يصف النبي بشكل مقززٍ، ملخصاً البابا بذلك كافة أبعاد الصراع من جانبهم على لسان الإمبراطور المحاصر في القسطنطينية، مسبغاً على لسانه الشرعية الدينية على حروب الغرب على الإسلام، ومحدداً البوصلة في تعاطيهم مع المسلمين، هذا بعيداً عن تفاصيل الأحداث في الإعلام الغربي الرسمي والخاص على حد سواء، والذي بات النيل من المسلمين خبزه اليومي، غاضّاً النظر عن كافة مشاكلهم الكثيرة والمتنوعة الأخرى وكأنها منعدمة أو ثانوية تماما.
=============