# نفسه ويتحرك بالبيان لسانه من غير أن يحركه، حتى لكأنه الجواد الكريم يتفلت من الشكال، وكأن قلمه إذ يجري على الطرس يسابق اليد التي تجريه والفكر الذي يمده، لوجدته أسرع إلى طاعتك من السيل الدفاع إلى مستقره، بل أسرع من الطرب إلى نفس الكريم والحب إلى قلب الأديب! يوم كان يعيش في دنيا الناس وكأن له دنيا وحده؛ يرى فيها ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون: يرى في كل مشهد جمالا، وفي كل جمال حلما فاتنا يستغرق فيه مسحورا، ويدرك من لذاذاته ومتعه ما لا يعرفه إلا من سمع حديث الجمال ووعاه بأذن قلبه، وأمضى لياليه حالما سادرا في أحلامه، فإذا صحا لم يجد ما يترجم به عن نفسه إلا لغة ضيقة قاصرة خلقت للتعبير عن حاجات الأرض لا لوصف أحلام السماء! وماذا تصنع لغة لا تعرف للجمال كله -على ما له من الصور التي لا تنتهي والمعاني التي لا تنفد- إلا كلمة واحدة هي كلمة «الجمال»؟ وأنى لها أن تترجم عن عالم كله حياة وقوة وسحر؟ وكيف تقنعه وللجمال في عينيه صحائف يقرأ منها كل يوم جديدا؛ فلكل وجه جمال لا يقاس به غيره ولا يشبهه سواه، ولكل مقلة جمال، ولكل بسمة ولفتة، ولكل رنة صوت ولكل ومضة ثغر، ولكل واد وجبل ولكل سهل ونهر، ولكل مقطوعة من الشعر وكل صورة في المتحف وكل زهرة في الروض، ولكل رائحة وكل نغمة ... فجمال ريا الياسمين، وجمال أريج الورد، وجمال عبق الزنبق، وجمال روح الفل، وجمال البيات والرصد والحجاز والصبا، والعود والقانون والناي والكمان، وجمال القصة المؤثرة والحكمة المتخيرة، وما شئت وما لم تشأ من أنواع الجمال في الوجود ... كل أولئك ليس
من حديث النفس · الصفحة ١٣٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
من حديث النفسص ١٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي