# صفحة على أقل تقدير (¬1)، هب أن فيها كلاما مرصوفا لا معنى وراءه تجد أني حملت في كتابتها ورصفها عناء، فكيف وكلها ثمرة التأمل الطويل، ونتيجة كد الخاطر وعصر الدماغ، وما منها شيء سرقته من أديب من أدباء فرنسا ولا إنكلترا! عمي أولو الأمر عن هذا كله ولم يعدلوه بهذه الورقة السحرية التي جاء بها أولئك من ديار العجم يشهد لهم فيها من يسكن هناك بأنهم صاروا يفهمون العربية وغدوا أهلا للتصدر لتدريسها ... ولم يجدوني أهلا لأكثر من «أستاذ معاون»!
أفيكون ظلما مني وعدوانا إذا أعلنت ما أصابني وشكوته إلى القراء، وهم أصدقائي، لم يبق لي من صديق غيرهم؟ لم يبق لي صديق في هذه الحياة ... إنك لتعلم ذلك، ولكني لا أشكو!
إنهم يقولون إني عنيد، وإني مشاغب، وإني أثير المشاكل ... ولست أفهم لهذا كله إلا معنى واحدا، هو أني أؤثر الصدق وأعلنه ولا أفعل ولا أقول إلا ما أطمئن إلى أنه الحق.
وهل كان ذنبا أني حميت للفضيلة تمتهن وللأخلاق تهان، فناضلت عنها وقاتلت، وقلت لتلاميذي: ناضلوا عنها وقاتلوا؟ وهل كان ذنبا أني غضبت لمحمد أن ينكر نبوته ويجحد رسالته جاهل غرير، في حفلة أقيمت لتكريم محمد وتمجيد ذكراه؟ (¬2)
:
(¬1) الجواد جمع جادة (بتشديد الدال)، وهي -في الأصل- وسط الطريق أو الطريق الكبير الذي تجتمع فيه الطرق الصغيرة، أما في دمشق فهي علم على هذه الطرق التي تمتد على قاسيون أفقيا واحدا فوق واحد، من سفحه إلى حيث تنتهي البيوت التي ارتقت الجبل إلى وسطه، فما كان منها أدنى إلى الطريق العام الذي يمشي بحذاء الجبل (ويسمونه «السكة») فهي الجادة الأولى، والتي بعدها أعلى منها هي الثانية، وهكذا إلى السادسة، وهذه الجادات الأفقية تخترقها شوارع عمودية تنطلق من «السكة» إلى الجادة السادسة أو الخامسة، فتصنع كلها معا شبكة من الطرق تغطي صفحة قاسيون في قسمه المأهول. وقد سكن الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- دهرا في الجادة الخامسة (وقبلها سنين في السادسة) فكان بيته يطل على دمشق كلها إلى وسط الغوطة (مجاهد).