تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس.

تأمل بعقلك و خيالك و ذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط منها شيء اختل التشبيه، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من مشاهد الحياة الدنيا، و قد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها، وقد تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها و ظلالها و أجراسها فعبرت أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به، بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى، و تبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية.

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [سورة إبراهيم: 18].

الذين كفروا في ضياعها، و ذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح و تذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ.

تأمل نظم الآية تجد كل كلمة قارة في مكانها، مطمئنة في موضعها لا تشكو قلقاً و لا اضطراب، معبرة في دقة و صدق عن معناها، و تأمل تناسق الكلمات و تألقها، و ترتيب الجمل و تعانقها، و مخارج الحروف و أصواتها، و إيحاءات الألفاظ و إشاراتها تجد نظماً عجيباً لا يقدر عليه إلا خالق الأرض و السموات.

تأمل كلمة (رماد) إنها توحي بخفة الوزن، و تأمل، (اشتدت) فإنها توحي بسرعة الرياح و تأمل كلمة (عاصف) فإنها توحي بالعنف.

و تأمل كيف أبرز لك هذا التشبيه ببديع نظمه الصورة حية متحركة كأنك تراها و تلمسها.

قال تعالى: ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾

شبه القرآن الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضات الله في كثرة ثوابها و مضاعفة أجرها بجنة فوق ربوة أصابها مطر غزير فأخصبت تربتها، و تضاعف أكلها.

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة و إحكام، وتنبعث منها لطائف و أنوار، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و الأسرار، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار، و حروف ذات أصوات و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة.

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة و إحكام، و تنبعث منها لطائف و أنوار، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و الأسرار، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار، و حروف و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة.

إنما من يقرأ الآية الكريمة، يتذوق خلاوتها يخيل إليه أنه يرى هذه الصورة الغيبية الخفية أمام عينيه و أنه يلمسها و يتقراها بيديه.

أبعد هذا التصوير يأتي مكابر مجهول يصف التشبيه القرآني بأنه عن الإعجاز معزول؟

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

شبه القرآن الكريم حال هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادا في لجوئهم و احتمائهم بهؤلاء الأنداد الضعفاء المتناهين في الضعف بحال العنكبوت حينما تأوي إلى بيتها الضعيف الواهن و تحتمي به.

صورة عجيبة تلح على الحس و الوجدان، و تجتذب إليها الالتفات، وتسترعي الانتباه، و تسترق الأسماع و تبهر الألباب و تستولي على الأحاسيس و المشاعر، و يقف أمامها دهاقين الكلام حيارى يتساءلون كيف نظمت هذه

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ٩٨