والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهومولاهم الحق وينصرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير، وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً جواداً رحيماً جميلاً هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه، وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه، والأنس به هوغذاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها.
المبحث السادس
الحقيقة والمجاز
لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن، وهي كل لفظ نقي على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام.
وأما المجاز فالجمهور أيضاً على وقوعه فيه، وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية، وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى، وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنيه القصص وغيرها.
وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين ابن عبد السلام، ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن وهو قسمان.
الأول: المجاز في التركيب، ويسمى مجاز الإسناد. والمجاز العقلي وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أوشبهه إلى غير ما هوله أصالة لملابسته له كقوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سبباً لها (يذبح أبناءهم) (يا هامان ابن لي) نسب الذبح وهوفعل الأعوان إلى فرعون، والبناء وهوفعل العملة إلى هامان لكونهما آمرين به، وكذا قوله (وأحلوا قومهم دار البوار) نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به. ومنه قوله تعالى (يوماً يجعل الولدان شيباً) نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه عيشة راضية أي مرضية فإذا عزم الأمر أي عزم عليه بدليل، فإذا عزمت. وهذا القسم أربعة أنواع:
أحدها: ما طرفاه حقيقيان كالآية المصدر بها، وكقوله (وأخرجت الأرض أثقالها)
ثانيها: مجازيان نحو (فما ربحت تجارتهم) أي ما ربحوا فيها وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز.
ثالثها، ورابعها: ما أحد طرفيه حقيقي دون الآخر، أما الأول والثاني. كقوله (أم أنزلنا عليهم سلطاناً) أي برهاناً (كلا إنها لظي نزاعة للشوي تدعو) فإن الدعاء من النار مجاز. وقوله (حتى تضع الحرب أوزارها - تؤتي أكلها كل حين - فأمه هاوية -) فاسم الأم الهاوية مجاز: أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع.
القسم الثاني: المجاز في المفرد، ويسمى المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ من غير ما وضع له أولاً، وأنواعه كثيرة.
أحدها: الحذف، وسيأتي مبسوطاً في نوع المجاز فهوبه أجدر، خصوصاً إذا قلنا إنه ليس من أنواع المجاز.
الثاني: الزيادة، وسبق تحرير القول فيها في نوع الإعراب.