تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليها، ويستخرج ما يراه من دواعي بلاغيَّةٍ في مختلف النصوص التي يدرسُها، من كتاب الله، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال البلغاء من ناثرين وشعراء ذوَّاقي الأدب الرفيع وعناصره الإِبداعيّةِ والجماليّة:

المثال الأول:

قول الله عزّ وجلّ لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سورة (الضحى):

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى (7)﴾.

أي: فآواك، وفهداك، فحذف المفعول رعاية للجمال الفني بتجانس أواخر الآيات.

***

المثال الثاني:

قول الله عزّ وجلّ في سورة (الكهف):

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2)﴾.

أي: لِيُنْذِرَ الْكَافِرِينَ بَأْساً شديداً، فحذف المفعول الأوّل لأنّه مُتَعيّن، ولدلالة مقابلة جملة "ليُنذِر" بجُمْلة "يُبَشِّرَ المؤمنين".

ويظهر لنا أنّ الداعي هنا الإِيجازُ، وإمتاعُ أهل الفكر بالاستنباط، وأهل الذكاء بالاعتماد على ذكائهم.

***

المثال الثالث: قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة):

﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ... ﴾ [الآية 20].

وقول الله عزّ وجلّ في سورة (يونس):

﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾.

أي: ولو شاء الله أنْ يذهَبَ بسمعهم وأبْصَارِهم لَذَهَبَ ....

ولو شاء رَبُّكَ أن يُؤمِنَ من في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً لَجَعَلَهُمْ مَجْبُورينَ لا خِيارَ لَهُم ولآمَنْ مَنْ في الأرضِ كلُّهم جميعاً عندئذٍ.

فَحَذَفَ المفعول لفعل المشيئة، وهذا الحذف هو الغالب في فعل المشيئةِ في النصوص القرآنية، وكذلك فعل الإِرادة، إلاَّ إذا كان المفعول أمراً مستغرباً أو مستنكراً أو مستحيلاً، فالداعي البلاغي لذكره أقوى من الداعي البلاغي لحذفه.

والداعي البلاغي للحذف هنا: الإِيجاز والتشويق بالإِبهام ليأتي البيان بعده شافياً، مع داعي إمتاع أهل الفكر بالاستنباط والاستخراج الفكري، اعتماداً على دلالات القرائن.

***

المثال الرابع:

قول الله عزّ وجلّ في سورة (النجم):

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)﴾.

وقوله فيها:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48)﴾.

جاء في أفعال هذه الآيات الثلاث حذف المفعول به تنزيلاً للفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، إذ الغرض بيان أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي تكون بخلقه هذه الأفعال التي تحدث في الناس، فذكْرُ المفعول به إطناب لا لزوم له، إذْ هو خارج

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ٨١