تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* فإذا كان المقام مقام حديث المرء عن نفسه أو معه غيره جيء بضمير التكلم، مثل قول الله عزّ وجلّ في سورة (طه) في حكاية خطابه لموسى عليه السلام بجانب الطور:

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَاهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي (14)﴾.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة):

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)﴾.

ويلاحظ الضمير المستتر في "نُسَبِّح" و"نُقَدّس"، وهو "نحن".

* وَإِذا كان المقام مقامَ مُخَاطَبٍ واحدٍ أو أكثر جيء بالضمير المناسب للمخاطب فرداً أو مثنَّى أو جمعاً، مثل قول الله عزّ وجلّ في سورة (طه) في حكاية خطابه لموسى عليه السلام:

﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة):

﴿وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ (132)﴾.

* وإذا كان المقام مقامَ حديثٍ عن غائب أو أكثر جيء بالضمير المناسب للمتحدَّث عنه فرداً أو مُثَنَّى أو جمعاً، مثل قول الله تعالى في سورة (آل عمران):

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ (91)﴾.

ولا يُتْرَكُ الضمير إلى استخدام معرفة أخرى في مقام التكلّم أو الخطاب أو الحديث عن الغائب الذي يُلائمه الكناية عنه بالضمير للإِيجاز والربط بين الكلام إلاَّ لداعٍ من الدواعي البلاغية التي تستدعي ذلك، وسيأتي إن شاء الله بيان هذا في بحث: "الخروج عن مقتضى الظاهر" الشامل لأمور كثيرة غير العدول عن الضمير الملائم إلى غيره.

قالوا: وأصل الخطاب أن يكون لمعيّن، وقد يُتْرَكُ هذا فيكونُ الكلامُ مُوجَّهاً لكلِّ من يَصْلُح بصفاته لأن يخاطب به، ويُحْمَلُ على هذا كثير ممَّا جاء في القرآن المجيد من خطاب مفردٍ أو جَمْعٍ إلاَّ ما كانَ خاصّاً بمعيَّنٍ كالرَّسُولِ، أو خاصّاً بجماعة معيَّنةٍ مقصودة بالذات، ومن الأمثلة قول الله عزّ وجلّ في سورة (السجدة):

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12)﴾.

أي: ولو تَرَى أَنْتَ يَا أَيُّها الصالح لمثل هذا الخطاب أيّاً كُنْتَ.

* وقول الله عزّ وجلّ في سورة (لقمان):

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ... ﴾ [الآية 20].

أي: ألَمْ تَرَوْا أنْتُمْ يَا أيُّها الصّالِحُونَ لمثْلِ هذَا الْخِطَابِ.

* وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وأبو داود عن بُرَيْدَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّور التَّامِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

أي: يَا مَنْ يَصْلُح للخطاب بَشِّرْ، والمعنى بَلِّغْ عنّي هذه البشارة.

ونظائر هذا كثير، ومنه:

* قول أبي فراس الحمداني:

*لاَ تَطْلُبَنَّ دُنُوَّ * دارِكَ مِنْ خَلِيلٍ أَوْ مُعَاشِرْ*

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ٦١