إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشراً بدراسة المفردة القرآنية لأن هذه أساس الجملة، و منها تركيبها، و إذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته. و للإعجاز فيها وجوه كثيرة.
فمنها: ما تجده من التلاؤم و الاتساق الكاملين بين كلماتها، و بين ملاحق حركاتها، و سكناتها، فالجملة في القرآن تجدها دائماً مؤلفة من كلمات و حروف، و أصوات يستريح لتألفها السمع و الصوت و المنطق، و يتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال.
أقرأ قوله تعالى: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، و فجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ و تأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها، ثم دقق نظرك، و تأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة و المهموسة و المجهورة و غيرها، ثم حاول تمعن في تأليف و تعاطف الحركات و السكنات و المدود اللاحقة ببعضها، فإنك إذا تأملت في ذلك، علمت أن هذا الجملة القرآنية. إنما صبت من الكلمات و الحروف و الحركات في مقدار، و أن ذلك إنما قدر تقديراً بعلم اللطيف الخبير و هيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة.
و منها: إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر و جمل كثيرة دون أن تجد فيه اختصاراً مخلا، أو ضعفاً في الأدلة. أقرأ قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين و الصفح عن الظالمين.
واقرأ قوله تعالى مخاطباً آدم عليه السلام: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ " ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول معايش الإنسان كلها من طعام و شراب و ملبس، و مأوى".
و أقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين ونهيين وخبرين و بشارتين أما الأمرين فهما: (أرضعيه) و (ألقيه في اليم) وأما النهيان فهما (لا تخافي)،و (لا تحزني).
و أما الخبران فهما: (أوحينا) و (خفت) و أما البشارتان فهما: (أنا رادوه إليك) و (جاعلوه من المرسلين).
و تأمل سورة الكوثر وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين: أحدهما: الأخبار عن (الكوثر نهر في الجنة و عظمته و سعته و كثرة أوانيه) , الثاني: الإخبار عن (والوليد بن المغيرة) و كان عند نزولها ذا مال وولد، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده، وانقطع نسله.
ومنها: أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس، ثم بث الروح و الحركة في هذا المظهر نفسه.
و مكمن الإعجاز في ذلك، أن الألفاظ ليست إلا حروفاً جامدة ذات دلالة لغوية على ما أنيط بها من المعاني، فمن العسير جداً أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص و الأجرام و المحسوسات، تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة و الحركة المشاهدة الملموسة. أستمع إلى القرآن الكريم و هو يصور لك قيام الكون على أساس من النظام الرتيب و التنسيق البديع الذي لا يتخلف، و لا يلحقه الفساد، فيقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾