تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاً: عتاب النبي - صلى الله عليه وسلم -

ومثال ما عاتب الله به رسوله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ... كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾

وهذا أقصى عتاب وجهه الله إلى رسول الله عليه وسلم وبين له كيف تكون أولويات الدعوة فكشف له عن كثير من الحقائق – مع قسوته – اشتمل القرآن على كثير من التخفيف والتلطيف بيناً حسن نية الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما أعرض عن عبد الله بن أم كلثوم وأقبل على كبراء قريش يحاورهم طمعاً في إسلامهم.

فقد خفف من قسوة العتاب وضع الغيبة مكان الخطاب في التفات جميل فأسند الأعراض والعبوس والتولي إلى غائب وكأنه غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله لطيف مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - في عتابه ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ولقد أحسن من قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأ بالعفو قبل العتب ولو قال له ابتداء (ًلِمَ أَذِنْتَ) لهم لتفطّر قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -

ثانياً: عتاب المؤمنين:

وجاء في عتاب المؤمنين حين خاضوا في حديث الإفك ولم يتثبتوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيم .... وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

ولما كان الذنب كبيراً وعظيم الأثر حيث المرمي أم المؤمنين وزوج الرسول الكريم فهذا افتراء على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وعلى المحصنات المؤمنات الغافلات لذلك كانت كلمات العتاب بالغة القوة (الإفك) و (الإثم) - (تَوَلَّى كِبْرَهُ) - (عذاب عظيم) و (لولا إذ سمعتموه) و (إفك مبين) (ولولا جاءوا عليه) و (فأولئك عند الله هم الكاذبون) و (هذا بهتان عظيم) و (تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) أليست قذائف عامرة بالعتاب الشديد التي تتناسب مع عظيم الذنب المقترف.

ولما كان العتاب للمؤمنين والخير فيهم مرجو والعودة إلى سبيل الحق والجادة والصواب مأمول خفف حدة هذا العتاب القاسي كلمات تشع بالأمل وروح التفاؤل وأخرجت هذا العتاب من مقام الوعيد إلى التوجيه والإثابة بالعتاب.

أنظر إلى هذه الإشرافات والكلمات المضيئة على طريق الأمل والتفاؤل .... ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ﴾ و ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿وظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ و ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ والتعبير بالمس دون غيره تخفيف من الله في العتاب- من أن يقول مثلاً (لأصابكم) - ﴿ويَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ و ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ولما كان الخطاب عتاب لا عذاب أطلت هذه الكلمات بلطفها وحنانها تلطف الجو وتطمئن النفوس بعدما قرعت آذانها الكلمات الأولى بالقوة والقسوة وهذا هو نهج القرآن في عتابه وتوجيهه وتربيته.

5 - التشريع:

أما المقام هنا مقام أحكام وأوامر ونواهي وتقعيد للحياة البشرية وتشريع للنظم والقوانين التي تضبط المجتمع حتى إلى قمة الرقي الإنساني في كل نواحي الحياة ولذا فإن اللفظ القرآني يأتي وسطاً بين ما سبق من قوة أو لين إلا أن يقتضي المقام عنفاً أو لطافة. وهذا نص قرآني يشرع الله فيه فريضة الصيام فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ .... وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أنه نص تشريعي خالص أدى بكلماته الهادئة حتى في مواضع الإثارة من النص فأنت ترى فيه هذه التعبيرات وهي في مواطن الإثارة والحث على عمل الخير. (لعلكم تتقون) ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (لعلكم تشكرون) فما أروع وأجمل وأنسب الكلمات في كل مقام وفي كل مناسبة وموضوع وغاية في القرآن الكريم فإن ألفاظه تدور مع المعاني حيث ذرت ومع الأجواء النفسية وأحوالها حيث أقامت فإن اللفظ القرآني بإعجازه البياني يتحدث البشرية إلى قيام الساعة.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ١٣٠