فلقد سافر أبو طالب _ عم النبي صلى الله عليه وسلم _ إلى الشام متاجراً ، ومعه رسول الله وعمره اثنتا عشرة سنة ، وفي الطريق قابل راهباً يقال له بحيرا ، فلما خرج الركب خرج إليهم وأكرمهم ، وكان لا يخرج لأحد قبل ذلك ، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته ، فقال الراهب وهو يأخذ بيد رسول الله صلى اله عليه وسلم : هذا سيد العالمين ، يبعثه الله رحمة للعالمين ، فقال أبو طالب : ومن علمك هذا ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم ، لم يبق حجر ولا شجر إلاّ خر ساجداً ، ولا تسجد إلاّ لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة في ظهره ، وإنا نجده في كتبنا ، ثم سأل أباطالب أن يرده ولا يدخله الشام خوفاً عليه من اليهود ففعل .
وعداء اليهود يكمن في أنهم كانوا يتوقعون أن يخرج رسول الله منهم ، فلما خرج من العرب كذبوه ، وشوهوا صورته ، وألبوا عليه الرجال ، وحاولوا قتله ، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام خرج في نفر من أصحابه إلى يهود بني النضير لجمع بعض الديات ، فقال اليهود لرسول الله : اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك ، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ، ينتظر وفائهم بما وعدوا ، ولكن اليهود أهل مكر وخبث حيثما حلوا وارتحلوا ، فأعطوا أحدهم رحىً ليرميها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقضي عليه ، وبينما هم يخططون ، إذ نزل الوحي يفضحهم ، فهب رسول الله وهب أصحابه معه ، وخرجوا وأخبرهم بما أراد اليهود ، فكانت غزوة بني النضير التي أعلى الله فيها كلمته .