* وإمَّا أن يكون كلهم ناقصاً: يحتاج بعضهم إلى بعض في الألوهية، فأمَّا التساوي في الكمالية فموجب أن يكون كل واحد منهم عبثاً لاستغناء الكامل من الناقص الآخرين عنه والمستغنى عنه لا يصلح للإلهية.
* وإمَّا كمالية بعضهم وناقصية بعضهم: تقتضي استغناء الكامل عن الناقص، فالناقص لا يصلح للإلهية، وأمَّا الناقصون الذين محتاجون إلى إعانة بعضهم لبعض فلا يصلحون للإلهية؛ لأنهم محتاجون إلى مكمل واحد مستغن عمَّا سواه، أو هو الواحد الصمد الغني عمَّا سواه وما سواه محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة لفسدتا؛ لعدم مدبر كامل في إلهية أخرى في المدبرية.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الأنبياء: 22] فنزَّه الله نفسه عن العجز والاحتياج لغيره في الإلهية، وأثبت أنه خالق العرش الذي يفيض الرحمانية إلى المكونات؛ لنفي الإلهية عن غيره منزهاً ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] باحتياجه إلى العرش أو لآلهة أخرى في الإلهية ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: 23] لأن أفعاله مبنية على القدرة الكاملة والحكمة البالغة فلا مساغ لسؤال سائل فيهما لم فعلت ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] فيما يفعلون؛ لأن السؤال في أفعالهم مساغاً؛ لأن مصدرها الظلومية والجهولية.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الأنبياء: 24] بالدليل والبرهان ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: 24] أي: لا يمكن إثبات آلهة أخرى بالبرهان كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] وبقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: 24] يشير إلى أن إثبات الربانية بالتحقيق، وكشف العيان من خصوصية العلماء المحققين من أمتي الذين هم معي في سير المقامات وقطع المنازل، فإن الله تعالى قد ندبهم بكلام أزلي إلى الدعاء، ووعد عليهم الاستجابة بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] فلهم الشركة مع الملائكة في قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27] لأنهم بأمره دعوة عند رفع الحاجات إليه.
وكذلك أثنى عليهم بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ﴾ [السجدة: 16] الملائكة بكرامة الدنيا والاستجابة، وهذه مرتبة الخواص من بني آدم في الدعاء، وأمر مرتبة أخص خواصهم أنهم يدعون ربهم لا خوفاً ولا طمعاً، بل محبة منهم وشوقاً إلى وجهه الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] وهذه هي الكرامة الثانية من نتائج الاحتياج حتى لم يبق شيء من المخلوقات وخلقها إلا كانوا محتاجين بخلاف مخلوق آخر، فإن لكل مخلوق استعداداً في الاحتياج يناسب حال جبلته التي جبل عليها، وكل مخلوق يفتقر إلى خالقه بنوع ما ويفتقر إليه بنو آدم من جميع الوجوه، وهذا سر يقوله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [محمد: 38] أي: كما ذاته وصفاته استوعبت الغنى، كذلك ذواتهم وصفاتهم استوعبت الفقر، فأكرمهم الله تعالى بعلم أسماء ما كانوا محتاجين إليه كلها، ووفقهم للسؤال عنه، وأنعم عليهم بالإجابة فقال: