ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء: 71] لأنهم أصحاب البصيرة والقرآن والدراية ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء: 71] في جزاء أعمالهم الصالحة فيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة الذين هم أصحاب الشمال لا يقرءون كتابهم؛ لأنهم أصحاب العمى والجهالة ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ﴾ [الإسراء: 72] أي: في هذه القراءة والدراية بالبصيرة ﴿أَعْمَى﴾ [الإسراء: 72] في الدنيا لقوله: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ [الحج: 46] ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: 72] لأنها ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ﴾ [الطارق: 9] فيجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريره أعمى هاهنا يكون في صورته أعمى للمبالغة؛ لأن عمل السريرة هاهنا كان قابلاً للتدارك.
وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون الأعمى عن رؤية الحق ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 72] في الوصول إليه لفساد الاستعداد وإعواز التدارك.
ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: 73] أي: من عمى قلوبهم كادوا ليسترونك ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73] بالتغيير والتبديل ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: 73] أي: وفق طباعهم في الضلالة وميلان نفوسهم إلى الدنيا وهي الضلالة عن الهدى ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] إذ وافقتهم في الضلالة ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: 74] بالقول الثابت وهو قول: لا إله إلا الله إلى أن بلغناك مقام معرفة حقيقة لا إله إلا الله بقولنا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: 19] وطهرنا قلبك من لوث صفات البشرية ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ بها إن لم يطهرك عنها بقولنا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19] ﴿شَيْئاً قَلِيلاً﴾ وإنما سماه قليلاً؛ لأن روحانية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أصل الخلقة غالبة على بشريته مؤيدة بتأييد: " أول ما خلق الله روحي " إذ لم يكن مع روحه ﴿شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ما يحجبه عن الله فشرفه بتشريف " كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين " فمعنى الكلام: لولا التثبيت وقوة النبوة ونور الهداية وأثر نظر العناية، لكنت تركن إلى أهل الأهواء بهوى النفسانية بمنافع الإنسانية قدراً يسيراً لغلبة الروحانية وخمود نار البشرية.
ثم قال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 75] يعني: بشؤم ميل نفسك إلى الباطل ورغبتها عن الخلق نحي نفسك، وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها وغلبتها على روحك ونميت قلبك، وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وعجزه وبعده عن الحق ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: 75] يمنع عذابنا منك.