﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60]، وجعل ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].
ثم أخبر عن إنزال الكتاب بالحق إنه على من أنزل من الخلق بقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: 105]، والإشارة فيها: إن إنزال الكتب من الله تعالى على الأنبياء - عليهم السلام - كان بواسطة الألواح والصحف وجبريل عليه السلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بلا هذه الوسائط، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: 10]؛ يعني: من القرآن وما يعد له يدل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1 - 2] ليلة المعراج، وقال: صلى الله عليه وسلم " أوتيت القرآن وما يعد له "، فقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: 105]؛ يعني: القرآن بلا واسطة ليلة المعراج ﴿بِالْحَقِّ﴾ [النساء: 105]؛ أي: الحق تعالى أنزله إليك نظير قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بهذه الكرامة من جميع الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست، فقال: أوتيت جوامع الكلم "، ويؤكد ما قلنا في تأويل ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: 105] قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]؛ يعني: بما حين أوحى إليك بلا واسطة وأريك آياته الكبرى، وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11]، بإراءة الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: 105]؛ يعني: ولا تكن أبداً للخائنين خصيماً بما أريك الله من الحق، وفي الآية تقديم وتأخير تقديره ولا تكن للخائنين خصيماً، ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ [النساء: 107].