﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65]، ثم قال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95]؛ يعني: فضلهم بفضيلة الولاية، والتوفيق لبذل المال والنفس على القاعدين يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]، وذلك القيل ما كان من طريق القوم الخذلاء لما خذلهم الله تعالى ولم يوفقهم للقيام، كما قيل لهم: ﴿اقْعُدُوا﴾ [التوبة: 46]، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]؛ يعني: للمجاهدين فضيلة درجة الولاية على القاعدين، ثم عمم القول في المجاهد والقاعد بلا عذر، فقال تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95]؛ يعني: الجنة فيما بين الواصلين البالغين والطالبين المنقطعين بعذر، وعوام المؤمنين القاعدين عند الطلب بلا عذر، ثم خص المجاهدين بالانفراد في نيل الدرجات والوصول إلى القربات، فقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [النساء: 95] بعد الطالبين والواصلين مطلقاً، ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ [النساء: 95]؛ يعني: المنقطعين بعذر أو بغير عذر مطلقاً، ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 95]، وعظم الأجر على قدر مراتب الطالبين والواصلين، وخصهم بدرجات منه لا من غيره، فقال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ [النساء: 96]؛ أي: قربات منه، ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ [النساء: 96] منه لبعضهم؛ وهو أن يتجلى بصفة الغفران لهم فيكونوا مستورين بصفاته لا منتفيِّن بصفاته عن صفاتهم، لا فانين عن ذواتهم بذاته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: 96]؛ يعني: يكون الله تعالى بذاته غفوراً، والغفور للمبالغة؛ يعني: كثير الغفران لبعضهم حتى يغنيهم عن ذواتهم ويبعثهم برحمة ذاته تعالى وتقدس، فافهم واغتنم هذا الجهاد الكبر.