﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39 - 40]، ﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 32]؛ أي: من فيه نوع الأنوثة من التواني في الطلب، ودناءة الهمة في المطلوب والمقصود، وهو الذي يطلب من الله غير الله، فلهن نصيب ﴿مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]، على قدر الهمة في الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20].
ثم علم عباده حسن السؤال بعلو الهمة بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]، وفيه معنيان:
أحدهما: اسألوه من فضله الخاص الذي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الحديد: 21]؛ ليؤتك ويفضلك به على أهل زمانك، وحقيقة الفضل؛ هي المعرفة والعلم اللدني يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113].
والثاني: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 32]؛ أي: اسألوه منه ولا تسألوا منه غيره، فإنه يعطيكم من فضله وكرمه، وإن اجتهدتم في الاكتساب وجاهدتم ﴿فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78]، ولا يجهدكم كسبكم، فإنه بالجهد يهدي إلى سبله، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، بالفضل يهدي إليه، كما قال تعالى: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ [النساء: 32] في الأزل ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النساء: 32]؛ أي: من أحوال عباده ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: 32] يعلم بالعلم القديم الأزلي، فأعطى كل واحد منهم في بدء الخلقة استعداداً لقبول الفيض الإلهي كما يشاء بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، وكان ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: 32] بمن يسأل من الله غيره ممن لا يسأل منه إلا هو، فأشار إليهم وخاطبهم على قدر استعدادهم ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 32].