تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: 25] يشير إلى كل زارع يحصد زرعه لا زرع غيره ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: 26] يوم حصاد زرعنا، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أي: يحكم ﴿بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: 26] بأن يختص كل واحد منا بحصاد زرعه ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26] أي: حاكم عليم فيما يحكم به ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ﴾ [سبأ: 27] من الدنيا والهوى والشيطان ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: 40] أرض النفس شيئاً من الأعمال النافعة المنجية ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: لهم شرك مع سماوات القلوب بالواردات الروحانية والشواهد الربانية.

ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس شريك في الأفضال والرحمة لهم شركة في حكم من أحكامنا ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [سبأ: 27] أي: هذا كله من فضل الله ورحمته ﴿الْعَزِيزُ﴾ [سبأ: 27] الذي ليس له شريك في الإفضال والرحمة ولا مثل ولا نظير ﴿الْحْكِيمُ﴾ [سبأ: 27] الذي أفعاله مبنية على الحكمة لا على العلة ثم أخبر عن رسالة المصطفى أنه إلى كافة الورى بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: 28] يشير إلى أن إرسال ماهية وجودك التي عبرت عنها مرة بنورك وتارة بروحي من كتم العدم إلى عالم الوجود لم يكن منا إلا ليكون بشيراً ونذيراً للناس كافة من أهل الأولين والآخرين والأنبياء والمرسلين، وإن لم يخلقوا بعد لاحتياجهم بك من بدأ الوجود في هذا الشأن وغيره إلى الأبد.

كما قال صلى الله عليه وسلم: " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم " فأما في بدأ وجودهم فالأرواح لما حصلت في عالم الأرواح بإشارة كن، تابعين لروحك احتاجت إلى أن يكون لها بشيراً ونذيراً؛ لتعلقها بالأجسام لأنها علوية بالطبع لطيفة روحانية، والأجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا يتعلق بها، ولا يميل إليها لفساده بينهما، فيحتاج إلى بشير يبشرها بحصول كمال عند الأثقال بها لترغب إليها وتحتاج إلى نذير ينذرها بأنها إن لم تتعلق بالأجسام يحرم عن كمالها، وتبقى ناقصة غير كاملة مثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة، وإن تزرع وتربي بالماء تخرج الشجرة من القول إلى الفعل إلى أن تبلغ كمالها بشجرة مثمرة، فالروح بمثابة البذر، والقالب بمثابة الأرض، والشخص الإنساني بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها الشريفة بمثابة الماء لتربيتها والبشير والنذير بمثابة المربي، فيعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه إليه واتصافه بصفة يحتاج إلى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى، ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه إلى جماله ويعده بوصاله وبنذير ينذره أولاً بنار جهنم يوعده بالبعد عن الحق، ثم بالقطيعة والهجران.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم وإن كانوا ثمرة هذه الشجرة أيضاً ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعية كماله لا من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعاً لأصل بشريته ونذيريته، والذي يدل على هذا التحقيق قوله تعالى:

التأويلات النجمية · الصفحة ١١٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ١١٩٦