تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عن صلة رحم الأبوة بالنبوة بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] أي أحق بهم في توليتهم من صلب النبوة من أنفسهم؛ لأنهم لا يقدرون على توليد أنفسهم في النشأة الثانية، كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه، فالنبي بمنزلة أبيهم ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] يشير إلى أن أمهاتهم قلوبهم، وهنَّ أزواجه ليتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم؛ لتأخذوا من صلب النبي نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها من الآفات؛ لئلا تسقطوا بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فإنها تسقط الجنين فيرتدوا على أعقابهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.

ثم قال ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: 6] يعني بعد أولوية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أولوا الأرحام في الدين بعضهم أولى ببعض للتربية بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكابرهم من المؤمنين الكاملين أولى بأصاغرهم من الطالبين ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في سنة الله وتقديره للتوليد في النشأة الثانية عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنشأة الأخرى ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ عما سوى الله ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ﴾ [الأحزاب: 6] يشير إلى النفس إذا تزكت عن الخلاق الذميمة وتبدلت عداوتها، فصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيواسها ويعمل ﴿مَّعْرُوفاً﴾ برفق من الأفارق ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المعروف في حق النفس مقداراً ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ عند الله ﴿مَسْطُوراً﴾ في أم الكتاب.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: 7] في الأزل وهم في كتم العدم مختفون ﴿وَمِنْكَ﴾ يا محمد أولا بالحبيبية ﴿وَمِن نُّوحٍ﴾ بالدعوة، ﴿وَ﴾ من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بالخلة، ﴿وَ﴾ من ﴿مُوسَى﴾ بالمكالمة، ﴿وَ﴾ من ﴿عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ بالعبدية ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب: 7] بالوفاء وبغلظة الميثاق يشير إلى أن غلظنا ميثاقهم بالتأييد والتوفيق للوفاء به.

﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب: 8] في العهد والوفاء ﴿عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: 8] لما صدقوا إظهاراً لصدقهم كما أثنى عليهم ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] وكان سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب، والصدق أن لا يكون في أحوالكم شوب، ولا في أعمالكم عيب، ولا في اعتقادكم ريب ومن أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق، وفي الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب، وفي القول سلامته من المعارض، وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرؤ عن الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: 8] المنكرين على هذه المقامات، المعرضين عن هذه الكرامات ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الأحزاب: 8] من الحسرات والغرامات.

التأويلات النجمية · الصفحة ١١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ١١٦٤