تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما هو ضحك التعجب من صورة حياتية يشاهدها كل مراقب لحياة الناس ، يرى خلالها أنماطاً من الغفلة تحرف شدةُ طمع تصاحبها بعضَ الناس عن رؤية مصير رهيب يتخطف غيرَهم من حولهم ، وما لهم أدنى ضمان لدفعه لو جاءهم كما يجيء أولئك .

فالناس في غَفَلاتهم **** ورَحى المنيّة تَطْحنُ

وهي ضحكة قد تهجم على صاحبها لأول وهلة حين يحار في تفسير هذه الظاهرة ، لكنها سرعان ما تتحول إلى شفقة ورحمة تأبى إلا أن تصدم الغافل صدمة إيقاظ تخرجه عن سكونه .

رحمة حركت أبا الدرداء برفق فأتى إلى هذا الذي أضحكه فنقر بأصبعه على كتفه فالتفت ، فهمس في أذنه أن : ( ويحك كيف بك لو قد حُفِرَ لك أربعُ أذرع من الأرض ) (1) وما ندري مدى حظ ذاك المرء من التوفيق ، إن كان انخلع من غفلته أم سَدر فيها ولكنا ندري أن همسة أبي الدرداء ما زالت حية ، وأن ما ذرعه لم تزده الأيام سعة وطولاً ، وأن قبل هذه الأذرع الأربعة وبعدها قصة متصلة المشاهد ، يرويها الرواة لمن يلقي السمع وهو شهيد .

يوم الحصاد :

مشهدها الأول : يوم الحصاد : يوم يحصد الموت الروح كما يحصد المنجل الزرع .

وليس في التشبيه مفارقة ، فإن حصاد هذه الأرواح يحوي مثل ذلك من الفوائد ، من بين موت شهادة ظاهر نفعه ، وموت دون ذلك يكون للغير سبب اعتبار و ادكار .

وذلك ما صوره الشاعر حين خاطبك فقال :

ما أنت إلا كزرع عند خُضرته **** بكلِ شيء من الآفات مقصودُ

فإن سَلِمتَ من الآفات أجمعها **** فأنت عند كمال الأمر محصودُ

أو قد يسمى هذا اليوم :

يوم الصراخ ، و ذاك حين يعرق الجبين ، و يتتابع الأنين ، وتكون الغرغرة ، وتبرد الأعضاء ، وتستبد السكرات ، فيفتضح الضعف ، فيعلو الصراخ .

باكيات عليك يندبن شَجوا **** خافقاتِ القلوب و الأكبادِ

يتجاوبن بالزنين ويذرفن **** دموعاً تفيض فيض المزادِ

(1) الزهد لابن المبارك 84/554

الرقائق · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٥٦