4- نحو أفراح الآخرة
لقد وصف الصالحون لنا سمات الابتداء لنأخذ بأحسنها ، و لئن كان بعضنا ينسى ، في ظروف غفلة ، فإن الله خير الغافرين ، وليس له أن يقعد بعد الذكر مع القوم الغافلين ، وإن عنده لذخيرة من فقه الأولين تعينه على سلوك سبل الرشد الفجاج الواضحة الموصلة إلى رب العالمين .
وإن تقوى القلوب في الحقيقة هي التي تقود تقوى الجوارح ، كما قال تعالى : ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ﴾ . وقال : ﴿ لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ﴾ . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( التقوى ها هنا ) ، وأشار إلى صدره .
" فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية ، مع العمل القليل ، أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك ، مع التعب الكثير والسفر الشاق ، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير ، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة ، مع سكونه ، صاحب العمل الكثير بمراحل ) (1)
استعلاء .. ثمنه التعب
وإنما أرشدك الصالحون طريق الاستعلاء والسيادة بالنية والهمة ، وعليك تعبه وركوب مصاعبه ، وذلك : إن السيادة نهج واضح الوعر .
وليس أمرها بالهيَّن ، وإنما هي قول ثقيل ألقاه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه : يجب أن يسودوا .
ويمكن لهذا الثقل أن تخففه النية ، فيتعاظم تأثير التعب القليل بصلاحها ، كما أشار الذين وصفوا الابتداء ، ولكن هداية القلب ، وإضاءة النفس ، ونهضات الهمة ، إنما يذكيهن الجد ، فمن أرادهن دائمات : أدام جده ، وهو معنى قولهم : ( استجلب نور القلب بدوام الجد )
(1) الفوائد لابن القيم 140 .