و سَأَلَ عبد الوهاب عزام الليلَ عن أروع أسراره ، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه و استمع لتحاورهما :
قلت لليل : كم بصدرك سر **** أنبئني ما أروع الأسرار ؟
قال : ما ضاء في ظلامي سر **** كدموع المنيب في الأسحار(1)
أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل ، فهو مسارع مستبق ؟
أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس :
فاز من سبح والناس هجوع
يدفن الرغبة ما بين الضلوع
و يغشيه سكون و خشوع
ذاكراً لله والدمع هموع
سوف يغدو ذلك الدمع شموع
لتضيء الدرب يوم المحشر سجدة لله عند السَحَر(2)
و يلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في أخرى أن :
عد إلى الله بقلب خاشع
وادعه ليلاً بطرف دامع
يتولاك بعفو واسع
و يبدل كل تلك الحسنات حسنات أجرها لن ينفدا
كل هذا العفو للعبد المنيب
سابغا من خالق الكون الرحيب
للذي تاب إليه من قريب (3)
3- الابتدَاء
كل ممارس للعمل التربوي الإسلامي الحركي يلحظ لا بد ظاهرة سقوط البعض وتراجعهم ، فأنت ترى داعية سالكاً مع السالكين ، و تظن أنه سيثبت ، و لكنه يخيب ظنك أثناء الطريق ، بأن تصدمه رهبة أو رغبة ، أو يستأسر لنداء نفس وهوى ، فيغتر ، و يستولي عليه التيه إدلالاً وامتناناً ، فيصيبه الفتور .
وربما استعصى تعليل مثل هذه الظاهرة حيناً ، ولكن تفرّسنا في أنفسنا ، و التنقيب عن الفقه التربوي في آثار رجال التربية الأقدمين : بدأ يرينا ملامح من التفسير لها ، إن وُعِيت حق وعيها لكان فيها بإذن الله ثبات القلوب ، ولوُقِينا زلل الأقدام بعد ثبوتها .
هو صفاء الابتداء
فأما الشاعر : فيشير إشارة عامة إلى تفسير مثل هذه الظاهرة ، ويقول :
وكل امرئٍ - والله بالناس عالم - **** له عادة قامت عليها شمائله
(1) ديوان المثاني 35
(2) لوليد في مجلة التربية الإسلامية 7/636
(3) لوليد ، في أغاني المعركة 94 .