أما تساوى قوم سافروا من بلد إلى بلد ، فلما بلغوا المقصد : نزل كل واحد في مكان معداً له ، وتُلقي بغير ما يُلقى به صاحبه ؟
أما دخل قوم داراً فأُجلس كل واحد منهم في بقعة بعينها وقوبل هذا بشيء و هذا بشيء آخر ؟
ثم تقول : سل الأرض عنهما ؟؟
قد سألنا و خبرتنا : أنها ضمت أجسادهم و جثثهم و أبدانهم ، لا كفرهم و إيمانهم ، و لا أنسابهم و أحسابهم ، ولا حكمتهم و سفههم ، ولا طاعتهم و معصيتهم ، ولا أقوالهم وأفعالهم ، ولا يقينهم و شكهم ، ولا زهادتهم و تسبيحهم ، ولا معرفتهم و توحيدهم ، ولا خيرهم و شرهم ، ولا جورهم و عدلهم " .
وفي مثل هاتين القطعتين من الشعر ، وفي التعقيب الذي عليهما ، تتضح بعض جوانب المعركة الدائمة بين الإيمان و صور الضلال .
وفي مثل هذا الكتاب مواعظ ، و إخبات ، وزيادة يقين .....
1- تسبيح يَشدّ الملك
دعوة تريد أن تستقيم إلى الله .
فعليها أن تدلف من باب الاستقامة إذن . وبابها المحراب .
وهكذا ، فإن على الدعوة الإسلامية في كل وقت أن تبدأ عملها من المسجد ، فتصلح العقيدة ، وتعلم دعاتها أدب التعامل الإسلامي ، وبذلك تسقط تلقائياً كل المقاييس الأخرى في التفاضل ، من جودة الكتابة ، و بلاغة اللسان ، و بهرج الشهادات الجامعية .
وإنما جماع الخير في ارتياد المسجد ، وذخيرة المسجد نعم زاد الانطلاق . ولقد أحصاها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقال :
" من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال :
آية محكمة
و أخاً مستفاداً
و علماً مستطرفاً
و رحمة منتظرة
وكلمة تدله على هدى ، أو تردعه عن ردى . وترك الذنوب حياء ، أو خشية "(1)
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 3\3 .