تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( إني لأجد في قلبي داءً لا أجد له دواء . أجد قسوة شديدة وأملاً بعيداً ! ) فتقول : اطلع القبور واشهد الموتى (1)

إحياء الأمة بذكر الموت

وقارب الاستدراك في زمن الراشد الخامس أن يتم ، لولا السم .

فقد واصَلَ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الطريقة ، فأرجف بذكر الموت قلوب جيله رهبة ، فنفضت رانها ثم انثنى ، فحرك إلى الشهادة حَنانها .

و ما أكثر ما وقف عمر موقف أبي الدرداء على درج مسجد دمشق ، ليجدد الوعظ القديم ، ويقرر لهم :

" إن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه ، و باع قليلاً بكثير ، و نافذاً بباق " .

حتى إذا أيقنوا صواب الصفقة : راح يريهم من يومياتهم وواقعهم ، بعين التأمل ، مالا تراه عين الغفلة ، ويقول لهم : " ألا ترون في أسلوب الهالكين ، وسيخلفها من بعدكم الباقون ، وكذلك حتى تُردّوا إلى خير الوارثين ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشّيعون غادياً إلى الله ورائحاً ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجلُه , وطُوي عمله ، ثم تضعونه في صُدع من الأرض في بطن لحد ، ثم تَدَعُونه غير موَسَّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسلاب ، وفارق الأحباب ووُجّه للسحاب ، غنياً عما ترك ، فقيراً إلى ما قدّم " . ولربما أجلس أحدهم أمامه و علّمه ، تعليمه عنبسة بن سعيد : " يا عنبسة : أكثر ذكر الموت ، فإنك لا تكون في ضيقة من أمرك ومعيشتك فتذكر الموت إلا اتسع ذلك عليك . ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكر الموت إلا ضيّق ذلك عليك " (2)

حتى إذا ربّى حاشيته ، و خلصوا من وهم الأمل نجيّاً : راح ينشر مذهبه في الأمصار ، فيرسل على أعيانهم ، فيأتونه ، فيفشي لهم سِرّ القبر ، وما هو عند أولي الألباب بِسرّ .

قال التابعي محمد بن كعب القرظي رحمه الله :

(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 2/371 .

(2) طبقات ابن سعد 5 / 372

الرقائق · الصفحة ٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٥٣