( قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني : كُفن في بُردة ، إن غُطي رأسه : بدت رجلاه ، وإن غُطي رجلاه : بدا رأسه , ثم بُسط لنا من الدنيا ما يُبسط ، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا ) (1)
نسيان الموت أول الإنحراف
و ليس ذاك بكاء الأسى ، حَزناً أن لم يَرَ أخاه مصعباً مترفاً ، إنما هو بكاء الخشية من بعض مباح أن يكون حسنةً معجَّلة تمنعه الآجل ، كما أفصح ، ودموع حذر تخرجها روعة تجرد لجهاد يرى ذهاب أبطاله تباعاً ، فيخلف من بعدهم خلف تكثر في يده الأموال ، و يخاف أن يتنافسوها ، فيتوقف نبض فتوح الهداية .
يشبه بكاؤه ذاك عبرة ظلّ يغص بها حَلق أبي الدرداء مراراً وهو يقول : ( أبكاني فراق الأحبة : محمد وحزبه ) (2) , يُعبر بها عن وجله من جديد طرأ على سمت الجيل الثاني ، مثلما يريد بها إظهار ألمه لفراق أخوة كانوا له سبب هداية وتثبيت ، وفهمهم وفهموه ، في تعامل مسترسل ، ما التالي لهم - مهما حرص - بقادر على أن يُسلي عن قلب أبي الدرداء رضي الله عنه تسليتهم عنه . وكأنهم حالة ما زالت تستبد بكثير من الدعاة الغرباء ، لا يستطيعون لها وصفاً .
لكنه حزن المجاهد الفقيه ، ما كان ليهبط بأبي الدرداء إلى حسرات تستهلك الهمّة ، بل أدى به إلى صعود سُلم
التربية ، فاعتلى درج مسجد دمشق ، فقال : ( يا أهل دمشق : ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ! إنّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً ، ويبنون شديداً ، ويأملون بعيداً ، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً ، وأملهم غروراً ) (3) و لبث في أهل دمشق سنين يخفف أثر هجمة المال ، ثم أورث المقال أهله ، فكان الرجل منهم يأتي أم الدرداء يستنصحها فيقول :
(1) صحيح البخاري 5/121 .
(2) الزهد لابن المبارك / 84 .
(3) الزهد لابن المبارك / 291 .