طريق رسمه الإمام أحمد لا يسعنا أن نحيد عنه , ومقدار قدره للدعاة ليس لهم أن يقفوا دونه نصيباً مفروضاً ، هو : المجهود من النفس ، وعلامته حين المحن : الصبر على الأذى حتى الموت . وعلامته في حياتك اليومية : أنك إن جئت إلى فراشك ليلاً لتنام وجدت لركبتيك أنيناً ، و في عضلاتك تشنجاً ، لكثرة ما تحركت في نهارك .
وإنما نسميه التعب ، والأنين ، و التشنج ، لغرض تفهيم الداعية الجديد ، لأن هذه الاصطلاحات هي لغة أهله و عموم الناس الذين تركهم من قريب ، و أما في لغة الدعاة فهو محض اللهو الذي تهفو إليه نفوسهم ، و عنهم نقله البحتري في وصفه لممدوحه حين يقول :
قلب يطل على أفكاره ، ويدٌ **** تمضي الأمور ، ونفس لهوها التعب (1)
ومن لا يعلم موازين المؤمنين يظن ذلك حرماناً من لذة ، وخداع ألفاظ ، و غواية اتباع الشعراء ، ولكن من أوتي علم الكتاب يعرف أن الراحة الحقيقية : راحة الآخرة ، لا راحة الحياة الدنيا ، ولذلك لما قيل للإمام أحمد : " متى يجد العبد طعم الراحة ؟ "
قال : " عند أول قدم يضعها في الجنة " (2)
و لما تعجب غافل من باذل وقال له : " إلى كم تتعب نفسك ؟ "
كان جواب الباذل سريعاً حاسماً : " راحتها أريد " (3)
" فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته : جعله عمارة لقلبه وروحه . وكلما نقص شيء من دنياه : جعله زيادة في آخرته . وكلما منع شيئاً من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته . وكلما ناله هم أو حزن أو غم : جعله في أفراح آخرته " (4)
و من لمح فجر الأجر : هان عليه ظلام التكليف ، كما يقول ابن الجوزي .
و لعمرو الله ما هو بظلام ، ولكنها لغة اضطر لها كما اضطررنا ليعقل مراده الراقدون .
(1) ديوان البحتري 1/ 172 .
(2) طبقات الحنابلة 1/293 .
(3) الفوائد لابن القيم 42.
(4) الفوائد لابن القيم 189 .