تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم من نخاطبه أننا لا ندعو إلى مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية ، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جواباً لنا حين سأله سائل : " أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي ؟ " فقال : " عند نفسك من الغفلة ما يكفيها " (1)

فإن اعترض معترض : أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول : " لا بد من سِنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ، ولكن كن خفيف النوم " (2)

فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات من عاب الراحة من إرهاق ، وإنما نريد – كما أرادوا – تقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم ، كل حسب صحته و ظروفه ، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمن أشد حاجة للانتباه و معالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية ، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ، ويسوده التواصي بالحق ، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء و سيوف الأمراء ، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف ، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب ، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور ، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها , فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف .

و ما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي – رحمه الله – لهذه الحقيقة حين يقول : " إن هذه المدنية السفيهة ، المصيرة للأرض كبلدة واحدة ، يتعارف أهلها و يتناجون بالإثم وما لا يعني ، بالجرائد صباحاً و مساء ، غلظ بسببها و تكاثف بملاهيها حجاب الغفلة ، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة " .

(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 422 .

(2) الفوائد 41 .

الرقائق · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٢٧