المطلب الثاني
مدى مشروعية الاعتداد بالحساب
اختلف الفقهاء في حكم العمل بالحساب ومدى مشروعية الاعتداد به - نفيًا وإثباتًا، أو نفيًا فقط - منذ أواخر القرن الأول الهجري، عندما نسب القول به إلى مطرِّف بن عبدالله الشِّخير (1)، وتبعه البعض، وعارضه الجمهور، ويمكن تلخيص هذا الخلاف في اتجاهين (2).
الاتجاه الأول:
المنع من العمل بالحساب، وعدم الاعتبار به، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم؛ حيث اعتبروا دخول الشهر برؤية الهلال، وعند عدمها بإكمال العدة ثلاثين يومًا، وهذا هو ما أناط الشرع به الحُكم، فلا مدخل لغير ذلك في دخول الشهر، وهذه بعض أقوالهم في المسألة.
في المذهب الحنفي:
جاء في رسالة تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان: قد صرح علماؤنا وغيرهم بوجوب التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإلا أكملوا العدة، فاعتبروا الرؤية أو إكمال العدة اتباعًا للأحاديث الآمرة بذلك، دون الحساب والتنجيم، وقد اتفقت عباراتُ المتون وغيرها من كتب علمائنا الحنفية على قولهم: يثبت رمضان برؤية هلالِه وبِعَدِّ شعبان ثلاثين، ومن المعلوم أن مفاهيم الكتب معتبرة، فيفهم منها أنه لا يثبت بغير هذين (3).
في المذهب المالكي:
قال في الفواكه: (يفهم من تعبير المصنف وغيره (برؤية) أنه لا يعوِّل على قول أهل الميقات: إنه موجود ولكن لا يرى؛ لأن الشارعَ إنما يعوِّل على الرؤية لا على الوجود (4).
في المذهب الشافعي:
ورد في المجموع: قال الجمهور: ومن قال بتقديره تحت السحاب، فهو منابذٌ لصريح باقي الروايات، وقوله مردود! ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّا أمَّة أمية لا نحسُبُ ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا)) الحديثَ (5)، قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرف الحساب إلا أفرادٌ من الناس في البلدان الكبار، والصواب: ما قاله الجمهور، وما سواه فاسدٌ مردود بصرائح الأحاديث السابقة (6).
في المذهب الحنبلي:
في المغني: لو بَنى - أي نية صوم رمضان - على قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب، فوافق الصواب، لم يصحَّ صومه، وإن كثرت إصابتهم؛ لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))، وفي رواية: ((لا تصوموا حتى تروه، ولا تُفطروا حتى تروه))؛ رواه أبو داود (7).
الاتجاه الثاني:
اعتبار العمل بالحساب والأخذ بنتائجه، على خلاف بين أنصار هذا الاتجاه في اعتباره مطلقًا، أو في اعتباره بالنسبة للحاسب وحده، أو له ولمن صدقه، وعلى خلاف آخر في العمل بالحساب حال الصَّحْوِ والغيم، أو حال الغيم وحده، وهل يعمل بالحساب نفيًا وإثباتًا، أو نفيًا فقط، كالقطع باستحالة الرؤية في زمن معين، أو القطع بإمكانها، ونحو ذلك مما له تعلُّق بالحساب.
وأنصار هذا الاتجاه هم من أتباع المذاهب الفقهية المختلفة: فمن المذهب الحنفي: محمد بن مقاتل الرازي - من أصحاب محمد بن الحسن (8) والقاضي عبدالجبار، وصاحب جمع العلوم (9)، والمرجاني (أو الترجماني) في ناظورة الحق (10)، كما رأى العمل بالحساب وركن إليه بعض البغداديين من المالكية (11)، وذكر ابن بزبزة رواية ذلك عن مالك، وحكى مثله ابن رشد عن الداودي (12)، وقد قال القَرافي: (حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي)، وكذلك ابن البناء وغيره من المالكية (13)، وأكثر من قال باعتبار الحساب في إثبات الأهلة هم من الفقهاء الشافعية؛ لِما نسب من القول به إلى الإمام الشافعي في القديم (14)، منهم: ابن سريج (15) (16)، والقفال الشاشي (17)،
(1) () زاهدٌ من كبار التابعين، روى عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة، توفي سنة 87 هـ (ابن سعد، الطبقات: 7/ 141 - 146).
(2) () بسط النووي هذا الخلاف في المجموع: 6/ 290 قائلًا: "فحصل في المسألة خمسةُ أوجه: أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما، والثاني: يجوز لهما ويجزئهما، والثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم، والرابع: يجوز لهما، ويجوز لغيرهما تقليدهما، والخامس: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم".
(3) () ابن عابدين، مجموع رسائل: 1/ 222 - 223.
(4) () النفراوي، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: 1/ 352.
(5) () البخاري، (ح 3025)، ومسلم (ح 1080).
(6) () النووي، المجموع: 6/ 276.
(7) () ابن قدامة، المغني بتحقيق التركي: 4/ 338.
(8) () السبكي، العلم المنشور، ص 10.
(9) () حاشية ابن عابدين: 2/ 92 نقلًا عن القنية، ورسائله: 1/ 223.
(10) () نهاد صالح طوسون، ثبوت الأهلة، ص 106 - 108.
(11) () ابن دقيق العيد، الإحكام شرح عمدة الأحكام: 2/ 8.
(12) () نفس الموضع السابق.
(13) () العذب الزلال، ص 471.
(14) () ابن رشد، بداية المجتهد: 1/ 284، فقد نقل عن ابن سريج قول الشافعي: "من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي - قد غم - فإن له أن يعقد الصوم، ويجزئه".
(15) () النووي، المجموع: 6/ 279، السبكي، العلم المنشور، ص 12.
(16) () النووي، المجموع: 6/ 280.
(17) () الموضع المتقدم نفسه.