تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لَم يَكُن هُناكَ غَرَض راجِح كالدَّفنِ فِي البِقاع الفاضِلَة ، وتَختَلِف الكَراهَة فِي ذَلِكَ فَقَد تَبلُغ التَّحرِيم ، والاستِحباب حَيثُ يَكُون ذَلِكَ بِقُربِ مَكان فاضِل كَما نَصَّ الشّافِعِيّ عَلَى استِحباب نَقل المَيِّت إِلَى الأَرض الفاضِلَة كَمَكَّة وغَيرها. والله أَعلَم. (1)

قالَ ابنُ خُزَيمَةَ : أَنكَرَ بَعضُ المُبتَدَعَةِ هَذا الحَدِيثَ وقالُوا إِن كانَ مُوسَى عَرَفَهُ فَقَد استَخَفَّ بِهِ ، وإِن كانَ لَم يَعرِفهُ فَكَيفَ لَم يُقتَصَّ لَهُ مِن فَقءِ عَينِهِ ؟

والجَوابُ أَنَّ الله لَم يَبعَث مَلَكَ المَوتِ لِمُوسَى وهُو يُرِيدُ قَبضَ رُوحِهِ حِينَئِذٍ ، وإِنَّما بَعَثَهُ إِلَيهِ اختِبارًا وإِنَّما لَطَمَ مُوسَى مَلَكَ المَوتِ لأَنَّهُ رَأَى آدَمِيًّا دَخَلَ دارَهُ بِغَيرِ إِذنِهِ ولَم يَعلَم أَنَّهُ مَلَكُ المَوتِ ، وقَد أَباحَ الشّارِعُ فَقءَ عَينِ النّاظِرِ فِي دارِ المُسلِمِ بِغَيرِ إِذنٍ.

وقَد جاءَت المَلائِكَةُ إِلَى إِبراهِيم وإِلَى لُوطٍ فِي صُورَةِ آدَمِيِّينَ فَلَم يَعرِفاهُم ابتِداءً ، ولَو عَرَفَهُم إِبراهِيمُ لَما قَدَّمَ لَهُم المَأكُولَ ، ولَو عَرَفَهُم لُوطٌ لَما خافَ عَلَيهِم مِن قَومِهِ . وعَلَى تَقدِيرِ أَن يَكُونَ عَرَفَهُ فَمِن أَينَ لِهَذا المُبتَدِعِ مَشرُوعِيَّةُ القِصاصِ بَينَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ ؟ ثُمَّ مِن أَينَ لَهُ أَنَّ مَلَكَ المَوتِ طَلَبَ القِصاصَ مِن مُوسَى فَلَم يَقتَصَّ لَهُ ؟

ولَخَّصَ الخَطّابِيُّ كَلامَ ابنِ خُزَيمَةَ وزادَ فِيهِ أَنَّ مُوسَى دَفَعَهُ عَن نَفسِهِ لِما رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الحِدَّةِ ، وأَنَّ الله رَدَّ عَينَ مَلَكِ المَوتِ لِيَعلَمَ مُوسَى أَنَّهُ جاءَهُ مِن عِندِ اللهِ فَلِهَذا استَسلَمَ حِينَئِذٍ.

وقالَ النَّووِيُّ لا يَمتَنِعُ أَن يَأذَنَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي هَذِهِ اللَّطمَةِ امتِحانًا لِلمَلطُومِ.

وقالَ غَيرُهُ إِنَّما لَطَمَهُ لأَنَّهُ جاءَ لِقَبضِ رُوحِهِ مِن قَبلِ أَن يُخَيِّرَهُ ، لِما ثَبَتَ أَنَّهُ لَم يُقبَض نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ ، فَلِهَذا لَمّا خَيَّرَهُ فِي المَرَّةِ الثّانِيَةِ أَذعَنَ.

قِيلَ : وهَذا أَولَى الأَقوالِ بِالصَّوابِ ، وفِيهِ نَظَرٌ لأَنَّهُ يَعُودُ أَصلُ السُّؤالِ فَيُقالُ : لِمَ أَقدَمَ مَلَكُ المَوتِ عَلَى قَبضِ نَبِيِّ اللهِ وأَخَلَّ بِالشَّرطِ ؟ فَيَعُودُ الجَوابُ أَنَّ ذَلِكَ وقَعَ امتِحانًا . وزَعَمَ بَعضُهُم أَنَّ مَعنَى قَولِهِ : "فَقَأَ عَينَهُ" أَي أَبطَلَ حُجَّتَهُ ، وهُو مَردُودٌ بِقَولِهِ فِي نَفسِ الحَدِيثِ " فَرَدَّ اللَّهُ عَينَهُ " وبِقَولِهِ : "لَطَمَهُ وصَكَّهُ " وغَيرِ ذَلِكَ مِن قَرائِنِ السِّياقِ .

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار الفكر - (3 / 207)

المهذب في فضائل الشام · الصفحة ٣١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الشامص ٣١٥