تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْقِبْلَةُ الأُْولَى لِلْمُسْلِمِينَ

مِنَ الْفَضَائِل الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى،أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ،فَإِلَيْهِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَجَّهُونَ فِي صَلاَتِهِمْ قَبْل أَنْ تُحَوَّل الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ .

وَفِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَكَرَّمَهُ،فَوَجَّهَ أَنْظَارَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ (1) ،عَنِ الْبَرَاءِ،قَالَ:لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ:﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ،فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا،فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة] فَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ،فَقَالَ:هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَّهُ وَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ.فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ،يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أُرِيدُ - يَعْنِي الظِّلَّ - فَسَأَلْتُهُ،فَقُلْتُ:لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ ؟ قَالَ الْغُلاَمُ:لِفُلاَنِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ،فَعَرَفْتُهُ،فَقُلْتُ:هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَ:نَعَمْ. قُلْتُ:هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَأَمَرْتُهُ،فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ. وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ،ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ،فَقَالَ هَكَذَا،وَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى،فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ،وَقَدْ رَوَيْتُ مَعِي لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ،فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرُدَ أَسْفَلُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ،فَقُلْتُ:اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ،فَشَرِبَ،فَقُلْتُ:قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللهِ،فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا،فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ،فَقُلْتُ:هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:فَبَكَيْتُ،فَقَالَ:لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَلَمَّا دَنَا مِنَّا،وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ،قُلْتُ:هَذَا الطَّلَبُ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَحِقَنَا،فَبَكَيْتُ. قَالَ:مَا يُبْكِيكَ ؟ قُلْتُ:أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي،وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ،فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ. قَالَ:فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا فَوَثَبَ عَنْهَا،ثُمَّ قَالَ:يَا مُحَمَّدُ قَدْ

(1) - تفسير القرطبي 2 / 149 - 150 .

المهذب في فضائل الشام · الصفحة ١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الشامص ١٧٢