" ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الْمَيِّتِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ بَعْدَ الدَّفْنِ مُطْلَقًا . وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِهِ إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ رَدَّهُ فَقَال نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ : اتِّفَاقُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ ، وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسَعُهَا ذَلِكَ ، فَتَجْوِيزُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ .
وَأَمَّا نَقْل يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ ؛ لِيَكُونَا مَعَ آبَائِهِمَا الْكِرَامِ فَهُوَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا .
وَأَمَّا قَبْل دَفْنِهِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِنَقْلِهِ مُطْلَقًا ، وَقِيل إِلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ إِلاَّ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ . وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
فعبد الله بن أبي مليكة - رضي الله عنه - قال : «لما توفيَ عبد الرحمنُ بنُ أبي بكر بالحُبْشِي - وهو موضع - فَحُمِل إلى مكة ، فدفن بها ، فلما قَدِمتْ عائشة ، أتَتْ قبر عبد الرحمن بن أبي بكر ،فقالت :
وكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذيِمَةَ حِقْبَة من الدّهْرِ ، حتى قيل : لن يَتَصَدّعَا
فلما تفرَّقْنا كأنِّي ومالِكا لطولِ اجتماع لم نَبِتْ لَيْلة معا
ثم قالت : واللَّه لو حضرتُك ما دُفنْتَ إلا حيثُ مُتَّ ، ولو شهدتُكَ مازُرْتك».
أخرجه الترمذي. (1)
وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ لِمُؤْنَتِهِ ، وَأَسْلَمُ لَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ .
قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لاَ أُحِبُّهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ ، أَوِ الْمَدِينَةِ ، أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَيُخْتَارُ أَنْ يُنْقَل إِلَيْهَا لِفَضْل الدَّفْنِ فِيهَا ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يُكْرَهُ نَقْلُهُ ، وَقَال صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَآخَرُونَ : يَحْرُمُ نَقْلُهُ (2) .
(1) - سنن الترمذى- المكنز - (1075) وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (3 / 234) وصححه ابن الملقن في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج - (2 / 34) (895 )
(2) - ابن عابدين 1 / 602 ، وروضة الطالبين 2 / 143 ، والمغني 2 / 509 .