تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بْنِ تَيْمِيَّةَ هُنَا كَلَامٌ بَشِعٌ عَجِيبٌ يَتَضَمَّنُ مَنْعَ شَدِّ الرَّحْلِ لِلزِّيَارَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقُرْبِ بَلْ بِضِدِّ ذَلِكَ،وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شِفَاءِ السَّقَامِ فَشَفَى صُدُورَ الْمُؤْمِنِينَ،وَكَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي أَنَّهُ كَانَ مُعَادِلًا لِلشَّيْخِ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ فِي التَّوَجُّهِ إلَى بَلَدِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْبَلَدِ قَالَ نَوَيْتُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْخَلِيلِ لِيَحْتَرِزَ عَنْ شَدِّ الرَّحْلِ لِزِيَارَتِهِ عَلَى طَرِيقَةِ شَيْخِ الْحَنَابِلَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَالَ فَقُلْت نَوَيْت زِيَارَةَ قَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ قُلْت لَهُ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ خَالَفْت النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ﴾،وَقَدْ شَدَدْتَ الرَّحْلَ إلَى مَسْجِدٍ رَابِعٍ وَأَمَّا أَنَا فَاتَّبَعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿ زُورُوا الْقُبُورَ ﴾ .

أَفَقَالَ إلَّا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ فَبُهِتَ ( قُلْت ) وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ فِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ ﴿ لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تُشَدَّ رِحَالُهُ إلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ كَذَا ،وَكَذَا ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ لَا كُلُّ سَفَرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . (1)

قلت : وقال ابن كثير رحمه الله عن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" فَإِنَّ جَوَابَهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ،وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ قَوْلَيْنِ فِي شَدِّ الرِّحَالِ وَالسَّفَرِ إِلَى مُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ،وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ غَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ إِلَيْهَا مَسْأَلَةٌ،وَشَدُّ الرَّحْلِ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى،وَالشَّيْخُ لَمْ يَمْنَعِ الزِّيَارَةَ الْخَالِيَةَ عَنْ شَدِّ رَحْلٍ،بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إِلَيْهَا،وَكُتُبُهُ وَمَنَاسِكُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ،وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى هَذِهِ الزِّيَارَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْفُتْيَا،وَلَا قَالَ: إِنَّهَا مَعْصِيَةٌ،وَلَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا،وَلَا هُوَ جَاهِلٌ بِقَوْلِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ﴿زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ﴾.

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ،وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (227) سورة الشعراء. (2)

- - - - - - - - - - -

(1) - طرح التثريب - (6 / 201)

(2) - البداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (14 / 143)

المهذب في فضائل الشام · الصفحة ٣٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الشامص ٣٠١