تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا } بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى كَثْرَةِ الزِّيَارَةِ لَا عَلَى مَنْعِهَا،وَأَنَّهُ لَا يُهْمَلُ حَتَّى لَا يُزَارَ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَالْعِيدَيْنِ .
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ﴿ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا ﴾ أَيْ : لَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا كَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ السُّبْكِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَتَّخِذُوا لَهَا وَقْتًا مَخْصُوصًا لَا تَكُونُ الزِّيَارَةُ إلَّا فِيهِ،أَوْ لَا تَتَّخِذُوهُ كَالْعِيدِ فِي الْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلَّهْوِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْأَعْيَادِ بَلْ لَا يُؤْتَى إلَّا لِلزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالسَّلَامِ وَالصَّلَاةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَأُجِيبَ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَقِيلَ : إنَّمَا كَرِهَ إطْلَاقَ لَفْظِ الزِّيَارَةِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا،وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ،كَذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ .
وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ دَأْبُ الْمُسْلِمِينَ الْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى تَبَايُنِ الدِّيَارِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْوُصُولَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِقَصْدِ زِيَارَتِهِ،وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إجْمَاعًا . " (1)
وفي الموسوعة الفقهية :
" ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ شَدُّ الرَّحْل لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ،لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ،وَخُصُوصًا قُبُورُ الأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ .
وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ،وَابْنُ تَيْمِيَّةَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا،وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى،وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ قَال : لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ،وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ فَقَال : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ ؟ قَال : مِنَ الطُّورِ،صَلَّيْتُ فِيهِ . قَال : أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْل أَنْ تَرْحَل إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ،إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،وَمَسْجِدِي هَذَا،وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى .
(1) - نيل الأوطار - (8 / 70)