تصور هذه العبارة التي قالها عمر طبيعة نبوغه وذكائه،وهو ذكاء فطرى،وفطنة سوية. وذكاء عمر نابع من مسئوليته. ومن معالم ذكائه وفطنته معرفته بطبائع الناس،وسرعة فهمه لحقائق الأمور،وكان أصحابه يشهدون بمقدار علمه وفقهه فيقول عبد الله بن مسعود:"كان عمر أعلمنا بكتاب الله،وأفقهنا فى دين الله ". وما نزل القرآن بموافقة رأيه إلا صورة من صور ذكائه الذى وهبه الله له. وذكاء عمر لا يأتى للأمور من بعض زواياها،إنما يكشفها جميعا ويستوعبها حتى آخر نماذجها واحتمالاتها.
ذات يوم قال لبعض أصحابه:"أحبُّكم إلينا قبل أن نراكم،أحسنكم سيرة،فإذا تكلمتم،فأبينكم منطقا،فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا ".
ولقد استخدم عمر ذكاءه فى خدمة الحق الذى آمن به وعاش له،ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ".
كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراسة فى أصحابه،وقد تكون هذه الصفة مشتركة بين كل أصحابه،لكن عندما يطلقها على فرد بعينه،فإن هذا يعني تميزه في هذه الناحية،وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بأنه"رجل لا يحب الباطل "،وهذا يعنى أن بغض عمر لما يعتقد أنه باطل طابع أصيل فى شخصيته.
يروى الأسود بن سَريع فيقول:"أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت:قد حمدت ربى بمحامد،ومِدَح وإياك،فقال:"إن ربك يحب الحمد،فجعلت أنشده،فاستأذن رجل طوال أصلع،فقال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسكت،فدخل فتكلم ساعة ثم خرج،ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فقلت:يا رسول الله من هذا الذى أسكتنى له،فقال:"هذا عمر،هذا رجل لا يحب الباطل".
فى يوم الأربعاء السادس والعشرين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة،شهد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة المنورة حدثا جللا،وهو ختام عشر سنوات من حكم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ففى هذا اليوم تقدم غلام مجوسى يدعى أبا لؤلؤة يحمل خنجرا مسموما له رأسان،كان عمر حينها يؤم المسلمين فى الصلاة،وقرأ سورة يوسف أو النحل فى الركعة الأولى،وبعد أن كبر للسجود طعنه القاتل بخنجره،وأخذ يطعن يمينا وشمالا،حتى طعن ثلاثة عشر رجلا،ثم قتل نفسه. وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف