"كنا نلزم باب عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع "،هكذا عبر أحد الصحابة عن المدرسة العمرية فى الورع،لقد كان نسيجا وحده،ولو أردنا أن نتحدث عن ورع عمر لسردنا حياته كلها،فإن الورع يظهر فى كل موقف وقفه عمر،وفي كل فعل فعله،ولو قصرنا الحديث عن الورع على ورعه فى المال لسمعنا قول عمر:إنى أنزلت نفسى من مال الله منزلة والى اليتيم من ماله،إن أيسرت استعففت،وإن افتقرت أكلت بالمعروف،فإن أيسرت قضيت..
وذات يوم اشتكى من وجع فوصف له العسل،وكان فى بيت المال عسل،فصعد المنبر وقال للناس:إن أذنتم لى فيها أخذتها،وإلا فهى على حرام.
وكان عمر يحرم نفسه وأهله من كثير من المباحات خوف الوقوع فى شبهة الحرام،وجعل ابنه عبد الله يرد ربح تجارته بالكامل إلى بيت المال،خوفا من أن يكون لقرابته منه أثر فى تجارته،بأن جعلت الناس يهتمون بها؛ لأنه ابن أمير المؤمنين.
ليس الزاهد من حُرم متاع الدنيا،أو لم يقدر على تحصيله لفقر أو مرض،ولكن الزاهد الحقيقى من جاءته الدنيا راغمة وقدر عليها،ثم زهد فيها لله. وهكذا كان عمر إذ ضرب مثالا من أروع الأمثلة فى إيثار الآخرة على الدنيا،وفى خوفه من إقبال الدنيا،فكان يحرم نفسه من متاعها برغم قدرته عليه،خوفا من أن يُذْهِب طيباته فى الحياة الدنيا. ولقد وضع منهجه وشرحه لحفص بن العاص عندما زار أمير المؤمنين،ورأى الطعام اليابس الذى يأكل منه عمر،فدعاه فاعتذر حفص،وصارح أمير المؤمنين بأنه سيأكل فى بيته طعاما لينا.
فقال عمر:"والذى نفسى بيده،لولا أن تنقص حسناتى لشاركتكم فى لين عيشكم،ولو شئت لكنت أطيبكم طعاما،وأرفهكم عيشا،ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه،ولكننا ندعه ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت،وتضع كل ذات حمل حملها وإنى لأستبقى طيباتى؛ لأنى سمعت الله تعالى يقول عن أقوام أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها...
"لست بالخِبّ ولا الخِبُّ يَخدعني"..