تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما حضرت أبا بكر الوفاة لم يجد بين الناس لإمارة المؤمنين خيرا من عمر،فأوصى إليه بها،فكان من أعظم الناس فراسة وأعرفهم بمعادن الرجال.

وجوه كثيرة مملوءة بالخير،رباها الإسلام،واحتضنها قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - امتلأوا بالمواهب والقدرات الفذة،فيهم عمر بن الخطاب البطل القوي،وعلى بن أبي طالب الفارس الشجاع،وخالد بن الوليد القائد الهمام.. وغيرهم وغيرهم،كواكب أضاءت سماء البشرية،ولكنك لا تدرى من مِن كل هؤلاء يستحق أن يقود الأمة بعد رسولها - صلى الله عليه وسلم - بل قل من يستطيع أن يؤدى هذه المهمة الصعبة،فقد ارتد كثير من العرب،وصار أمر الإسلام فى خطر،وأصبح الدين الحنيف فى حاجة إلى رجل من طراز خاص،يردع المرتدين ويحفظ هيبة الحق وسلطانه؟

لقد أسرع الأنصار إلى سقيفة بنى ساعدة يعقدون مؤتمرا خطيرا هناك ليختاروا خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم؛ فالبلد بلدهم،والنصرة نصرتهم،كما أن النبى لم يوص لأحد من بعده،فما سمع عمر وأبو عبيدة بالخبر إلا وأسرعا إلى أبي بكر وهو بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتذر إليهما بانشغاله بالجسد الطاهر الشريف،فألحّا عليه،حتى خرج معهما..

وسار الرجال الثلاثة فى طرق المدينة وسككها جنوبا إلى سقيفة بنى ساعدة ومنتداهم،يسرعون الخطا،ويتسابقون إلى موضع تجمع الأنصار،الذين كادوا يجتمعون على بيعة سعد بن عبادة،فما فاجأتهم إلا وجوه أبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد كساها الحزن،وغطاها التعب،فمرت لحظات صمت اخترقها صوت السلام يلقيه المهاجرون الثلاثة على إخوانهم الأنصار.. والمسألة عند الفريقين ليست سلطان قبيلة معينة يثبتونه،ولكنها مبادئ دين تُقدم على كل هوى،وترتفع فوق كل رغبة..

فما ارتفع صوت أبي بكر يخطب فيهم إلا وسكتت الأصوات،وصمتت الأفواه،وكلهم آذان تسمع إلى شيخ قريش الجليل تتحدر الكلمات من فمه،تذكّر الأنصار بموقعهم من الدين وفضلهم عند نبى الإسلام،وتذكرهم أيضا بأن النبى قد جعل الخلافة فى قريش؛ لأن الناس لن تخضع ولن تستجيب إلا لهم؛ لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهيبتهم القديمة بين العرب..

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدين · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدينص ٣٨