لقد خُصّ أبو بكر من بين الشموس والأقمار الكثيرة التى أحاطت بخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - بمقام الوزير الأول له،لا وزارة منصب وجاه دنيوي،بل وزارة القرب والحب والتقدير لهذا الإنسان المبارك الذى سخّر كل ما يملك من المال والقوة والولد لخدمة دينه.. وقد كان من دلائل تقدير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر:مصاهرته له بالزواج من أم المؤمنين الطاهرة عائشة،واستشارته له فى مواقف كثيرة كأسرى المشركين فى بدر،ووضعه أميرا للحج فى العامِ التاسع من الهجرة،كما استخلفه النبى - صلى الله عليه وسلم - ليصلى بالناس عند مرضه - صلى الله عليه وسلم - وخصّه بالثناء حينما كان يودع أمته للقاء الله تعالى،وبعد وفاة النبى - صلى الله عليه وسلم - ملأ الحزن والكآبة كل نواحى المدينة،واهتز المسلمون من داخلهم،غير أن الله جعل من أبي بكر الجندى الذى رد الأمة إلى رشدها.
ها هم أهل الدين الجديد ينبتون الخير فى دار هجرتهم كما تنبت النخلة،إلا أن نخلتهم الآن - وقبل يوم بدر - لم تزل ضعيفة ذليلة،أفيمنع الله العزة عنهم؟
خرج المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فى رمضان من السنة الثانية من الهجرة،لا يريدون قتالا،بل الفوزَ بقافلة قريش التجارية العائدة من الشام؛ ليعوضوا بعض ما أخذه المشركون منهم بعد الهجرة،وما هى إلا أيام حتى وجد المسلمون أنفسهم فى وجه الحرب،واستشار النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يمتحن عزيمتهم ويرى رأيهم،فكان أبو بكر ممن تكلم فوضع نفسه طوع أمر الله ورسوله،وفعل المهاجرون والأنصار مثل ذلك..
وراح الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتضرع إلى الله ويدعوه:يسأله النصر،حتى أشفق عليه أبو بكر،وطمأنه إلى أن الله سينجزه ما وعده.. وما هى إلا جولة - كان أبو بكر أحد أبطالها حتى انكشف ميدان المعركة عن سبعين قتيلا ومثلهم أسرى من المشركين..
وفى المدينة استشار النبى - صلى الله عليه وسلم - وزيريه أبا بكر وعمر فى أمر الأسرى،فرأى أبو بكر أخذ الفدية منهم ليستفيد منها المسلمون،بينما ذهب عمر إلى قتلهم ليُضعف شوكة المشركين.. وهنا يشبه النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بإبراهيم وعيسى - عليهما السلام - فى رفقهما ولينهما،ويشبه عمر بنوح وموسى - عليهما السلام - فى شدتهما فى الحق..