تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما زال الفشل يلازم سَعْيَ المشركين لمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهجرة،إذ حاولوا أن يقتلوه وهو يغادر بيته ففشلوا،فتتبعوه ليدركوه فى بيت أبي بكر فلم يدركوه،وأحكموا الكيد والمكر حتى وصلوا إلى الغار ليظفروا به،لكن مكر الله أكبر من مكرهم! ماذا يفعلون إذن بعد كل هذا؟! لقد أصبحت قريش بأسرها عاجزة عن اللحاق بهذا الرجل وصديقه القريب أبي بكر،فلترصد الجوائز كى يشاركها الناس مهمة المطاردة،مائة جمل كاملة لمن يأتى بمحمد ولو ميتا.. وهنا تصبح المهمة صعبة على الرسول وصاحبه،وأحس أبو بكر بالخطر على الرسول والرسالة،فراح يسير أمامه مرة مخافة أن يأتيه عدو من أمامه،وخلفه مرة خشية أن يأتيه من جهة ظهره،وعن يمينه،وعن شماله خوفا من أن يأتيه العدو من هنا أو من هنا،فالرسول أمة كاملة،وأبو بكر فرد من الناس..

وفى طريق الهجرة الصعب أيضا لقى أبا بكر رجلٌ يعرفه،فسأله الرجل عمن معه،إذ كان لا يعرف الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر على البديهة:"هاد يهديني"،ففهم السائل أنه دليل يدله على طريق سفر،وأراد أبو بكر أنه هاد ومرشد يرشده إلى الله - تعالى.

وَطِئَتْ أقدام المهاجرين أرض الوطن الجديد،فما شعروا منذ هذه اللحظة بأنهم غرباء؛ إذ أنزلهم الأنصار منزلة الإخوة،وأوسعوا لهم فى دُورهم،وجادوا عليهم بأموالهم،إلا أن المهاجرين أبوا أن يكونوا عالة على إخوانهم الكرماء الأسخياء،فاتخذوا لأنفسهم بيوتا،وانتشروا فى الأسواق يبتغون من رزق الله وفضله،لكنَّ شغلهم الشاغل كان فى الإسلام والدعوة إلى الله - تعالى .

لقد مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المدينة عشر سنوات،قضاها فى جهاد وعمل متواصلين،وحوله أعظم كوكبة من البشر بعد الأنبياء،وعلى رأس هذه الكوكبة الصدّيق أبو بكر،الذى كان أقرب الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أعظم المواقف وأجلها،فشهد المشاهد وحضر الغزوات كلها،وكانت له مواقف خالدة فى بدر وأحد والحديبية وحنين وتبوك،وتعرض لهِزّة عميقة بعد غزوة بنى المصطلق حينما رمى المنافقون ابنته الطاهرة عائشة بالفاحشة،فصبر أبو بكر حتى برّأها الله من فوق سبع سموات.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدين · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدينص ٣٤