صاحبك يزعم أنه قد ذهب إلى بيت المقدس وعاد إلى مكة فى ليلة واحدة"!! وخاف أن يكونوا يكذبون عليه،فقالوا له:لقد قال ذلك وهو فى المسجد يخبر الناس.
وبيقين المؤمن وفطنته يجيبهم أبو بكر:والله لئن كان قاله فقد صدق!
وما من كلمة خيبت سعى المشركين إلى تشكيك أبي بكر فى صدق نبيه مثل هذه الكلمة،فقد أفقدتهم الأمل فى أن يحاولوا مرة أخرى المساس بإيمان هذا الرجل الشامخ،الذى زادهم يأسا فقال:"ما يعجبكم من ذلك؟! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر (أي:الوحي) يأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة ـ أى زمن قصير ـ من ليل أو نهار،فأصدِّقه،فهذا أبعد مما تعجبون منه..!!"
ويسرع أبو بكر إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ليسمع منه الخبر،ويتأكد من صدق كلام المشركين،فيجد النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فى المسجد الحرام عند كعبة أبويه إبراهيم وإسماعيل يقص على الناس قصة الإسراء،ويروى لهم رحلة المساء التى قطع فيها الصحراء الطويلة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى،ورسول الله لا يبالى بتكذيب المشركين واستنكارهم،بل يسوق لهم الحجج القاطعة والأدلة الواضحة على صدقه. وبفطنته يسأل أبو بكر رسول الله أن يصف المسجد الأقصى الذى شاهده فى رحلته،ليكون ذلك أدل على صدقه أمام الناس. ويُرفَعُ المسجد أمام عينى النبى العظيم،فيصف بناءه وهيئته ومنظره،وكلما سمع أبو بكر شيئا قال للنبى الحبيب:صدقت،أشهد إنك لرسول الله"،فحلاَّه النبى - صلى الله عليه وسلم - بالوسام العظيم فقال:"وأنت يا أبا بكر الصديقُ".
بَدَا إيذاءُ المسلمين مسلسلا مُمِلاًّ يتولى الكفار تنفيذه،فأذن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأتْباعه بالهجرة إلى الحبشة.. وأعد أبو بكر عدة السفر،ناويا الخروج والهجرة بدينه بعيدا عن أذى المشركين وتضييقهم.. ويبدأ الصدّيق خطواته المثقلة المتعبة جادا فى ترك الوطن الذى آذاه فيه قومه،لكن يلقاه فى طريق هجرته ابن الدغنة المشرك فيسأله عن وجهته،ويجيب أبو بكر فى صبر المؤمن:"أخرجنى قومى وآذوني.. "،وأبت مروءة ابن الدغنة أن يترك هذا الرجل صاحب الخلق السوى والمعروفِ والمعونة شريدا فى البلاد،ورجع به إلى مكة فى