تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمسك بملابس رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حتى كاد يخنقه،فجذب أبو بكر الكافرَ من كتفه بقوة،وصرخ فى وجوه أهل الشرك مستنكرا ضلالتهم:(أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)؟!

جاء العامُ العاشر من البعثة شديدًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أطلق عليه "عام الحزن"؛ إذ مات فيه نصيراه الكبيران:زوجته خديجة وعمه أبو طالب،وفقد بموتهما ركنين قويين كانا يردان عنه أذى السفهاء ويخففان عنه ثقل ما يجد من تعنت المشركين.. وفى هذا العام نفسه ذهب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف بحثا عن قلوب تتقبل الإيمان،لكنهم كانوا أقسى عليه من قريش،إذ رفضوا الاستجابة لدعوته،وآذوه فى نفسه وجسده الشريف..

أراد الله - تعالى - فى هذا الجو الصعب أن يخفف عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأسرى به من المسجد الحرام فى مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى فى فلسطين،ثم عرج به إلى السموات حتى سدرة المنتهى،وعاد إلى مكة فى ليلة واحدة.

ورحلة الإسراء - وهى المرحلة التى قطعها الرسول العظيم فوق سطح الأرض - كانت قريش تقطعها فى شهرين،شهر للذهاب وآخر للعودة،ولذلك وجدتها فرصة لتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتشكيك فى نبوته،وارتد بعض ضعاف الإيمان من المسلمين،وأما أبو بكر فقد قدم لهم سببا مقنعا يصدق على أساسه كل ما يقوله الرسول،وهو أنه يصدقه فى الوحى الذى يأتيه من السماء فى لحظات قليلة. ثم ذهب بنفسه إلى الرسول العظيم،وسأله عن الخبر،فلما سمعه منه أعلن تصديقه له على رءوس الأشهاد.

"والله لئن كان قاله فقد صدق".. هذه هى علامة الصدّيق الذى يثق فى أن كل ما يقوله دينه حق،وكل ما ينطق به نبيه صدق،ولو كان أوسعَ دائرة من طاقة العقل.. أتاه المشركون وكأنهم وجدوا فرصة ليثبتوا لأبي بكر كذب صاحبه الذى يظن أنه نبي،وتأكدوا من قدرتهم هذه المرة على صرف أحد أكبر أنصار محمد عنه،خاصة أن ما يحكيه محمد قد صرف عنه بعض من آمن به..

أتى المشركون إلى أبي بكر لعلمهم بمنزلته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومكانته من الإسلام،الذى كان قد مضى عليه فى مكة حينئذ عشر سنوات،فقالوا لأبي بكر:"إن

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدين · الصفحة ٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدينص ٢٨