اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَلِيمَةِ وَلَهُمْ رَأْيَانِ :
الأَْوَّل:ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ:الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ وَلِيمَةَ الْعَرَبِ سُنَّةٌ،زَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَفِيهَا مَثُوبَةٌ عَظِيمَةٌ .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ .... .
وَقَالُوا:سَبَبُ الْوَلِيمَةِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَفَرْعُهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ،وَلأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَتَقَدَّرَتْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَكَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الإِْعْسَارِ،كَمَا يَعْدِل الْمُكَفِّرُ فِي إِعْسَارِهِ إِلَى الصِّيَامِ،فَدَل عَدَمُ تَقْدِيرِهَا وَبَدَلِهَا عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِهَا،وَلأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَكَانَ مَأْخُوذًا بِفِعْلِهَا حَيًّا،وَمَأْخُوذَةً مِنْ تَرِكَتِهِ مَيِّتًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
الثَّانِي:ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالإِْمَامُ أَحْمَدَ فِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ وَاجِبَةٌ،... وَهَذَا أَمْرٌ يَدُل عَلَى الْوُجُوبِ،وَلأَِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَا نَكَحَ قَطُّ إِلاَّ أَوْلَمَ فِي ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ،وَلأَِنَّ فِي الْوَلِيمَةِ إِعْلاَنًا لِلنِّكَاحِ،فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ،...،وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إِجَابَةُ الدَّاعِي إِلَيْهَا وَاجِبَةً،دَل عَلَى أَنَّ فِعْل الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ،لأَِنَّ وُجُوبَ الْمُسَبِّبِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّبَبِ. (1)
117. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا،وَقَدِ اغْتَسَلَ،فَقُلْتُ لِخَالِدٍ أَلاَ تَرَى إِلَى هَذَا فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا ».فَقُلْتُ نَعَمْ.قَالَ « لاَ تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِى الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ » أخرجه البخاري (2)
118.
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (45 / 233) والحاوي للماوردي 12 / 192، وتحفة المحتاج 7 / 424 - 425
(2) - برقم(4350) وأحمد برقم(23738)
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 12 / ص 161)
قَوْله : ( فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُس أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ )فِي رِوَايَة عَبْد الْجَلِيل " فُو الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَنَصِيب آلِ عَلِيّ فِي الْخُمُس أَفْضَل مِنْ وَصِيفَة " وَزَادَ " قَالَ : فَمَا كَانَ أَحَد مِنْ النَّاس أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيّ " وَأَخْرَجَ أَحْمَد هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَجْلَح الْكِنْدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ بِطُولِهِ وَزَادَ فِي آخِره " لَا تَقَع فِي عَلِيّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيّكُمْ بَعْدِي " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ مُخْتَصَرًا وَفِي آخِره " فَإِذَا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ اِحْمَرَّ وَجْهه يَقُول : مَنْ كُنْت وَلِيّه فِعْلِيّ وَلِيّه " وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ هَذَا الْوَجْه مُطَوَّلًا وَفِيهِ قِصَّة الْجَارِيَة نَحْو رِوَايَة عَبْد الْجَلِيل ، وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا . قَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ : إِنَّمَا أَبْغَض الصَّحَابِيّ عَلِيًّا لِأَنَّهُ رَآهُ أَخَذَ مِنْ الْمَغْنَم ، فَظَنَّ أَنَّهُ غَلَّ ، فَلَمَّا أَعْلَمهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَخَذَ أَقَلّ مِنْ حَقّه أَحَبَّهُ ا ه . وَهُوَ تَأْوِيل حَسَن ، لَكِنْ يُبْعِدهُ صَدْر الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد فَلَعَلَّ سَبَب الْبُغْض كَانَ لِمَعْنًى آخَر وَزَالَ بِنَهْيِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُمْ عَنْ بُغْضه . وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ وُقُوع عَلِيّ عَلَى الْجَارِيَة بِغَيْرِ اِسْتِبْرَاء ، وَكَذَلِكَ قِسْمَته لِنَفْسِهِ ، فَأَمَّا الْأَوَّل فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا غَيْر بَالِغ وَرَأَى أَنَّ مِثْلهَا لَا يُسْتَبْرَأ كَمَا صَارَ إِلَيْهِ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة ، وَيَجُوز أَنْ تَكُون حَاضَتْ عَقِب صَيْرُورَتهَا لَهُ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْد يَوْم وَلَيْلَة ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ مَا يَدْفَعهُ ، وَأَمَّا الْقِسْمَة فَجَائِزَة فِي مِثْل ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ شَرِيك فِيمَا يَقْسِمهُ كَالْإِمَامِ إِذَا قَسَمَ بَيْن الرَّعِيَّة وَهُوَ مِنْهُمْ ، فَكَذَلِكَ مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَام قَامَ مَقَامه . وَقَدْ أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِالثَّانِي ، وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّل لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون عَذْرَاء أَوْ دُون الْبُلُوغ أَوْ أَدَّاهُ اِجْتِهَاده أَنْ لَا اِسْتِبْرَاء فِيهَا ، وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث جَوَاز التَّسَرِّي عَلَى بِنْت رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ التَّزْوِيج عَلَيْهَا لِمَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر فِي كِتَاب النِّكَاح .