ومع ما كان يُعرف به أبو بكر من تواضع وحسن خُلق،فإنه كان جادا لا يعرف المزاح،حادّا فى الوقوف بجانب الصواب الذى يظهر له،وسيبدو أثر هذا الخلق جليا فيما بعد فى مواقف عديدة لأبي بكر،كحروب الردة وإنفاذ بعث أسامة بن زيد،بالرغم من مخالفة الجميع له.فقد كان رصيد صداقته ومعرفته القديمة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كافيا لأن يبكر بالإيمان بالله ورسوله.
المرأة ضلعٌ من أضلاع الحياة التى لا قيام للحياة البشرية بدونها،وإن كانت الجاهلية قد احتقرتْها،وقللت من شأنها ـ فإنها لم تستطع الاستغناء عن المرأة،وحمّلتها العبء الباطن من مسئوليات الحياة.. ولا يمنع هذا من وجود رجال فى الجاهلية العربية احترموا بشرية المرأة وقدروا آدميتها،فلما أتى الإسلام كانوا أكثر استعدادا من غيرهم للاستجابة لدعوته،وأبو بكر أحد هؤلاء الرجال.
تزوج أبو بكر أربع مرات:الأولى فى صدر شبابه،حين تزوج قُتيلة بنت عبد العزى،وولدت له عبد الله وأسماء،ثم تزوج بعدها أم رومان ابنة عامر بن عويمر فأنجب منها عبد الرحمن وعائشة،أما زوجته الثالثة فتزوجها بعد إسلامه،وهى أسماء بنت عميس التى استشهد زوجها جعفر بن أبي طالب فى مؤتة. وقد أوصى أبو بكر وهو فى مرض الموت بأن تغسله أسماء هذه الزوجة البارة. وأما الرابعة من زوجات أبي بكر فهى حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري،وقد توفى الصديق وفى بطنها حمل له،فولدت بعد موته أمَّ كلثوم بنت أبي بكر.
"الصِّدِّيقِيَّةُ."مقامٌ عالٍ يلي مقام النبوة،يعلن فيه صاحبُه إيمانَه بالغيب كأنه يراه،ويعلن ثقته فى دينه وحكمة تشريعه،حتى يصبحَ الإسلامُ بالنسبة لحياته الماءَ والهواءَ.. لا يبالي هذا الصدّيق بالشدائد والأذى والضوائق،بل يبدو أمامها كالهازئ بها وبمن يدبرها ويكيد بها للدين.
لقد ظهرت كل هذه المعانى بجلاء ووضوح فى الثلاث عشرة سنة التى قضاها أبو بكر الصديق فى مكة قبل الهجرة،حتى أخذ لقبه ورتبته العالية (الصديق) من موقفه إزاء أحد أحداث هذه الفترة،وهو حادث الإسراء والمعراج..