وبذلك نشأ علىٌّ منذ نعومة أظافره،وتربى فى بيت النبوة،فمع نقاء أصله وصفاء سريرته كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوته الأولى،فاقتدى به فى كل صفاته ... ولذلك كانت دعوته إلى الإسلام سهلة يسيرة مع حداثة سنه؛ لإنه كان يتمتع منذ صغره برجاحة عقل،وحكمة وذكاء ملحوظين،مع الثقة التامة فى صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان نبتة صغيرة رواها الإسلام بنوره،لتصبح شجرة ثابتة قوية راسخة إلى آخر لحظة.
ما هذا؟! إنه النور يخرج من بيت محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - لينتشر فى أرجاء المعمورة.. فكان أول ما قابل فى طريقه قلبُ هذا الصبي الصغير عليّ،الذي تسرب الخير إليه فملأه بالهدى والنور..
وكان إسلام الصبي الذى لم يتجأوز عمره العاشرة حينها بعد أن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجه خديجة رضي الله عنها يصليأن،فسأل الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ما هذا؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام:"إنه دين الله اصطفاه لنفسه وبعث به رسوله". ثم دعاه إلى عبادة الله وحده لا شريك له،فتعجب الصبي من هذا الدين الذي لم يسمع به من قبل،وأراد أن يحدث به أباه،فطلب منه النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - إما أن يُسلم وإما أن يكتم الأمر،فبات الصبي ليلته والنور مازال يتسرب إلى قلبه،حتى أصبح غاديا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأسلم بين يديه،وكتم إسلامه،حتى علم به أبوه فأمر ه بالثبات عليه.
وهنا يبدأ طريق الجهاد،فتتحول تلك الأقدام الصغيرة إلى أقدام فتية تسلك سبيل الجهاد فى سبيل الله والعمل لدينه،فتطويه طيا حتى آخر لحظة فى العمر.
اشتدت المعركة بين الحق والباطل فى مكة،فجاء الأمر الإلهي بهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين إلى المدينة،وبدأت مواكب المؤمنين بالهجرة،تسبق قائدها إلى العش الآمن الذي يعيش فيه الدين والدعوة بلا تضييق ولا فتنة،حتى لم يبق فى مكة من المسلمين سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر قليل من أصحابه،منهم علي بن أبي طالب.
وكان لابد من تضليل الباطل ليهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلف رسول الله عليا بأن ينام فى فراشه،فتظنَّ قريش أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مازال نائما فى فراشه،ثم أمره أن يبقى بمكة ثلاثة أيام يرد فيها الأمأنات إلى أهلها،ثم يهاجر إلى المدينة ويلحق به.