تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِمَحْفُوظٍ عَنْ عَلِيٍّ،وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَبَائِحَهُمْ وَلَا مُنَاكَحَتَهُمْ،وَلَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِعِلْمِ ذَلِكَ،وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِلْكِتَابِ،وَلَا بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وَبَيْنَ حُكْمِ رَسُولِهِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَرْقٌ فِي شَيْءٍ،وَلَا كَانَ يَحْكُمُ بِحُكْمٍ يَدُلُّ الْكِتَابُ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ،وَلَكِنَّ السُّنَّةَ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلتَّنْزِيلِ،وَالْمُوَضِّحَةُ لِحُدُودِهِ وَشَرَائِعِهِ،أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الْحُدُودَ،فَقَالَ:الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ فَجَعَلَهُ حُكْمًا عَامًّا فِي الظَّاهِرِ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى،ثُمَّ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الثَّيِّبَيْنِ بِالرَّجْمِ ؟ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْكِتَابِ،وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِالْآيَةِ الْبِكْرَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا.وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ،فَقَالَ:يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَكَانَتِ الْآيَةُ شَامِلَةً لِكُلِّ وَلَدٍ،فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ،وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ،لَمْ يَكُنْ هَذَا خِلَافَ التَّنْزِيلِ،وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِالْمُوَارَثَةِ أَهْلَ الدِّينِ الْوَاحِدِ،دُونَ أَهْلِ الدِّينَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْوُضُوءَ،فَقَالَ:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ،ثُمَّ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْخُفَّيْنِ،وَأَمَرَ بِهِ،فَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِغُسْلِ الْأَرْجُلِ إِذَا كَانَتِ الْأَقْدَامُ بَادِيَةً لَا خِفَافَ عَلَيْهَا.وَكَذَلِكَ شَرَائِعُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ جُمَلًا،حَتَّى فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ.فَعَلَى هَذَا كَانَ أَخْذُهُ - صلى الله عليه وسلم - الْجِزْيَةَ مِنَ الْعَجَمِ كَافَّةً،إِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَوْ لَمْ يَكُونُوا،وَتَرْكُهُ أَخْذَهَا مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ،فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَدْلَلْنَا بِفِعْلِهِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا شَرْطُ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْجِزْيَةِ،إِنَّمَا كَانَتْ خَاصَّةً لِلْعَرَبِ،وَأَنَّ الْعَجَمَ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِهَا مِنَ الصَّابِئِينَ بَعْدَهُ،وَلَيْسَ يَشْهَدُ لَهُمُ الْقُرْآنُ بِكِتَابٍ،وَإِنَّمَا نَرَى النَّاسَ فَعَلُوا ذَلِكَ وَاسْتَجَازُوهُ اسْتِنَانًا بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَمْرِ الْمَجُوسِ،وَتَشْبِيهًا بِهِمْ؛لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ؛لِأَنَّهُمْ فِي حَدِّ الْمَجُوسِ.وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ " (1)

(1) - الْأَمْوَالُ لِلْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (1153-1154 ) حسن مرسل

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدين · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدينص ١٠٥