, فَلَوْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَقَرَّ وَعَمِلَ , وَمَعَ ذَلِكَ شَدَّ الزُّنَّارَ وَسَجَدَ لِلصَّنَمِ اخْتِيَارًا لَكَانَ مُشْرِكًا , لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ ذَلِكَ شِرْكًا وَإِنْكَارًا قَالَ الشَّنَوَانِيُّ : التَّلَفُّظُ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ شَرْطٌ , فَمَنْ أَخَلَّ بِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ , فَإِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ يَقِينًا وَأَنْكَرَهُ عِنَادًا , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ غَيْرُ شَرْطٍ بَلْ شَرْطٌ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ ﴾ . وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك ﴾ " وَالنُّطْقُ بِاللِّسَانِ عَمَلٌ , وَالْأَعْمَالُ جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ دَاخِلَةٌ فِي قِوَامِهِ , وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْإِيمَانِ دُونَ الْعَمَلِ , وَقِيلَ : الْأَعْمَالُ أَجْزَاءٌ عُرْفِيَّةٌ لِلْإِيمَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ كَشَعْرٍ وَظُفْرٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِمَا عَدَمُ الْإِنْسَانِ , وَهُمَا جُزْآنِ مِنْهُ , وَنُسِبَ لِلسَّلَفِ , وَفِي الْحَدِيثِ : " ﴿ الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَأَدْنَاهَا : إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ﴾ " وَقِيلَ : الْأَعْمَالُ آثَارٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْإِيمَانِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ , وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْإِيمَانِ مَجَازًا , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ لَفْظِيٌّ وَهُوَ إطْلَاقُ لَفْظٍ عَلَيْهَا مَجَازًا فِيهِ , وَحَقِيقَةً فِي الَّذِي قَبْلَهُ , وَقِيلَ : الْأَعْمَالُ خَارِجَةٌ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ , كَمَا لَا تَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ طَاعَةٌ , ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْإِقْرَارِ صَادِقٌ بِمَا لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ نُطْقٌ مِنْ غَيْرِ لِسَانِهِ فَيَكْفِي إقْرَارُهُ بِتِلْكَ الْجَارِحَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا النُّطْقُ , وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي , وَأَمَّا الْكِتَابَةُ أَوْ الْإِشَارَةُ فَلَا تَكْفِي مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ وَنَسَبَ الشَّنَوَانِيُّ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ , وَإِلَى أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدَانَ , فَمَنْ أَقَرَّ وَلَمْ يُصَدِّقْ مُشْرِكٌ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ عِنْدَنَا , وَمَنْ صَدَّقَ وَلَمْ يُقِرَّ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ ( كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ) الْفَوْرِيَّةِ كَالْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَكُتُبِ اللَّهِ وَالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالْعِقَابِ وَالنَّارِ وَالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ , وَوِلَايَةِ الْجُمْلَةِ وَبَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ , وَمَعْرِفَةِ الْمِلَلِ وَأَحْكَامِهَا , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَالُ : إنَّهُ فَوُرِيٌّ , وَقِيلَ : لَا فَوْرَ فِي ذَلِكَ بَلْ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ , وَالْكَافُ لِمُجَرَّدِ التَّنْظِيرِ , وَهُوَ مِنْ تَنْظِيرِ الشَّيْءِ بِمَا دُونَهُ , لِأَنَّ الْمُشْتَرِكِينَ فِي أَمْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَظِيرُ الْآخَرِ إلَّا عَلَى نَظِيرِ الْأَسْفَلِ , وَالْأَسْفَلُ نَظِيرُ الْأَعْلَى فِي ذَلِكَ , وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ تَمْثِيلًا لِقَوْلِهِ : تَصْوِيبُ الْحَقِّ .
==================
وفي مغني المحتاج :( وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ ) لَهُ كَافِرٍ (1)
لِأَنَّ الشَّفَقَةَ قَدْ تَحْمِلُ عَلَى النَّدَامَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَعْفِهِ عَنْ الْجِهَادِ , وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الرَّحْمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا , وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَإِنْ اقْتَضَتْ الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ( وَ ) قَتْلُ قَرِيبٍ ( مَحْرَمٍ ) لَهُ ( أَشَدُّ ) كَرَاهَةً ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قَتْلِ وَلَدِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمَنَعَ أَبَا حُذَيْفَةَ مِنْ قَتْلِ أَبِيهِ يَوْمَ بَدْرٍ ( قُلْتُ : إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ ) أَوْ يَعْلَمَ بِطَرِيقٍ يَجُوزُ لَهُ اعْتِمَادُهُ أَنَّهُ ( يَسُبُّ اللَّهَ ) تَعَالَى ( أَوْ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم ) بِأَنْ يَذْكُرَهُ بِسُوءٍ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) بَلْ يَنْبَغِي الِاسْتِحْبَابُ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَ : تَعَالَى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ ﴾ زَادَ مُسْلِمٌ ﴿ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ وَكَذَا لَا كَرَاهَةَ إذَا قَصَدَ هُوَ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ .
(1) -مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 17 / ص 300).