يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ , وَفِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافٌ وَبَحْثٌ وَاعْتِلَالُهُ بِامْتِنَاعِ الْمِيرَاثِ ضَعِيفٌ ; إذْ قَدْ يُعَزَّى الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ ﴾ الْآيَةَ لَكَانَ أَظْهَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا لِلْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . انْتَهَى . وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ : وَفِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ قَوْلَانِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِجَوَازِهِ بِأَبِيهِ وَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ يَقُولُ بَلَغَنِي مُصَابُك بِأَبِيك أَلْحَقَهُ اللَّهُ بِأَكَابِرِ أَهْلِ دِينِهِ وَخِيَارِ ذَوِي مِلَّتِهِ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ : أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاك أَفْضَلَ مَا جَزَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ . ( قُلْت ) فِي الْأَوَّلِ إيهَامُ كَوْنِ أَهْلِ مِلَّتِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْمِلَّةِ فِي سَعَادَةٍ وَإِلَّا كَانَ دُعَاءً عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ : تَعْزِيَةُ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ فِي مُصَابِهِ وَيُهَوِّنُ مُصَابَهُ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَرِيبٍ وَأَبٍ كَافِرٍ لَا بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ . ( قُلْت ) فِي التَّعْزِيَةِ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ نَظَرٌ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ . الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَتَخْرِيجُهُ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ لِجِوَارِهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُخَرَّجُ عَلَيْهَا وَهِيَ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ بِجِوَارِهِ ; فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ : إنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ صَدَّرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ فِي وَلِيِّهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا , ثُمَّ حَكَى فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ وَنَصُّهُ : وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً وَلَا يُعَزَّى مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ : يُعَزَّى ; لِأَنَّ مُصِيبَتَهُ بِمَوْتِهِ كَافِرًا أَعْظَمُ انْتَهَى . وَتَبِعَ فِي التَّصْحِيحِ بِعَدَمِ تَعْزِيَتِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَنَصُّهُ : وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً لَا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى . وَظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِوَلِيِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ الْمُعَزَّى بِهِ مُسْلِمًا , أَوْ كَافِرًا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ اسْتِحْقَاقَ تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِتَعْزِيَةِ الذِّمِّيِّ بِالْمُسْلِمِ وَبِالذِّمِّيِّ انْتَهَى . وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَكَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ كَيْفِيَّةَ تَعْزِيَتِهِ بِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إلَّا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لَقَالَ : وَيُعَزَّى بِهِ كَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ , وَلَمْ يَأْتِ بِالْوَاوِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَا تَخْتَصُّ بِلَفْظٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ بَلْ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَبِقَدْرِ مَنْطِقِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّصَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا لِلشَّافِعِيِّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ سَنَدٍ هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِ الشَّيْخِ زَرُّوق الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ : وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ إذَا عُزِّيَ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ فَلَأَنْ يُعَزَّى بِوَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَائِدَةٌ ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِرْجَاعِ لِلْمُصَابِ
المفصل في شرح آية الولاء والبراء · الصفحة ٨٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح آية الولاء والبراءص ٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي